بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٢٨٥ - الخامسة أن يدرك الوقوف الاختياري في المزدلفة فقط
يقتضى بطلان حج من لم يقف في عرفات سواء أكان معذورا أم لا، وسواء وقف في المزدلفة بعد ذلك أو لا. وأما الروايات المتقدمة فتقتضي صحة حج من ترك الوقوف بعرفات ولكن وقف في المزدلفة في الوقت الاختياري سواء أكان معذوراً في ترك الأول ـ أي الوقوف في عرفات ـ أو لا، فهذه الروايات أخص مطلقاً من الرواية الأولى، فينبغي حمل المطلق على المقيد.
ولكن هذا الكلام غير تام، لأنه لا يمكن حمل الأولى على خصوص من لا يقف في المزدلفة، فإن معظم الذين كانوا يقفون في الأراك كانوا ممن يقفون لاحقاً في المزدلفة، فلو كان يكفي ذلك في إدراك الحج لما صح إطلاق القول بأنه لا حج لهم، وحمله على غيرهم يشبه تخصيص الأكثر غير المستساغ عرفاً.
وبالجملة: التعارض مستقر بين الجانبين بالرغم من كون النسبة بينهما هي العموم والخصوص المطلق، نظير ما إذا ورد في دليل (لا يجب إكرام العلماء) وورد في دليل آخر (يجب إكرام الفقهاء) وكان معظم العلماء من الفقهاء، فإنه يقع التعارض بينهما في إكرام الفقهاء، ولا يمكن حمل العام على الخاص في مثل ذلك.
وهنا لا يمكن حمل ما دل على بطلان الحج بترك الوقوف في عرفات على من لم يدرك الوقوف في المزدلفة.
ولكن مع ذلك يمكن أن يقال[١]: إن صحة الحج بإدراك اختياري المزدلفة وحده أمر مجمع عليه بين فقهائنا ومما عرف أنه من متفردات الإمامية (أنار الله برهانهم) فلا مجال للتشكيك في أصله، والقدر المتيقن منه ما إذا كان فوات الوقوف بعرفات عن عذر، فلا محيص من البناء على الحكم بصحة الحج في مورد المعذور، أما غيره فحيث إنه لا اتفاق على الحكم بصحة حجه فلا محل للالتزام فيه بذلك.
[١] وهنا وجه آخر، وهو أن يبنى على أن لفوات الوقوف في عرفات من جهة الوقوف في الأراك خصوصية تقتضي عدم صحة الحج مطلقاً وإن كان عن عذر، وليس مثله فوات الوقوف فيها من جهة التأخر في القدوم ونحو ذلك كما مرّ في (ج:١٨ ص:٣١٥) (التعليقة).