بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٤١٤ - الرابع إذا كانت الجمرات مواضع من الأرض ثم تحولت إلى أبنية أو نحوها فكيف سكت الفقهاء عن ذلك؟
عدم كون الجمرات أبنية، وإن كان في كل من الكلامين بعض الخلل والاضطراب مرّت الإشارة إليه.
(الشاهد الثالث): تقدم أن الأصل في رمي الجمار هو أن الشيطان تراءى لآدم أو لإبراهيم ٨ في هذه المواضع فتم رميه من قبله، وقد وضعت في هذه المواضع أصنام في زمن الجاهلية فكانت ترمى أيضاً وكانوا يقولون للوثن حين يرمى (أنت أكبر من فلان الصنم الذي يرمى قبله) كما ذكر ذلك الأزرقي[١]، ومقتضى المناسبات أنه بعد إزالة الأصنام والأوثان قد وضع عمود أو شبهه أو أقيم بناءٌ بديل عنها ليستهدف بالرمي، فإن آدم أو إبراهيم ٨ لم يرم الأرض التي تراءى له الشيطان عليها بل رمى الشيطان الذي تراءى له، والظاهر أنه تراءى على صورة إنسان أو حيوان أو نحوهما ـ كما ورد ذلك في سائر الموارد التي تمثل فيها الشيطان للإنسان[٢]ـ فينبغي أن يكون البديل عنه عمود أو ما يشبهه يكون هو الذي يستهدف بالرمي.
ولكن يمكن الخدش في هذا الكلام بأنه لا وجه للبناء على ما تقتضيه المناسبات في مثل هذه القضية، بعد فقد أي شاهد تاريخي على وجود عمود أو نحوه في مواضع الجمرات الثلاث قبل نصب أهل الجاهلية أصنامهم عليها، وكذلك عدم ورود أي نص بأن النبي ٦ قد وضع عموداً في موضع الجمرة بعد إزالة الصنم عنه، ولو كان قد صنع ذلك أو أمر به لكان يذكر في كتب السيرة التي أوردت تفاصيل كثيرة عن حجه ٦ .
وبالجملة: خلو المصادر التاريخية عما يشير إلى استبدال الأصنام بأعمدة أو أبنية في حجة الوداع أو بعد ذلك في الصدر الأول يمنع من الاعتماد على ما ذكر من المناسبات إن كانت تصلح للاعتماد عليها في حدّ ذاتها.
(الشاهد الرابع): أنه إذا كانت الجمرات في القرون الإسلامية الأولى
[١] أخبار مكة وما جاء فيها من الآثار ج:٢ ص:١٧٦.
[٢] لاحظ بحار الأنوار ج:٩ ص:٢٣٠، ج:١١ ص:٧٣، ٢٥٢، ج:١٣ ص:٢٧٥، ج:١٤ ص:١٠٠، ١٥٦، ج:٤٦ ص:٥، ج:٤٧ ص:٢٦٩، ج:٥٦ ص:٢٠١، ج:٦١ ص:٢٩٧، ج:٦٩ ص:٢١٤ وغير ذلك.