بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣٦٧ - كيفية التعامل مع ما دل على الإجزاء وما دل على عدمه
الروايات الأربع المذكورات على عدم إدراك الحج بإدراك الوقوف في عرفات وحده.
ثم إنه إذا بني على تمامية دلالة بعض ما مرّ في المقام الأول على كفاية إدراك الوقوف بعرفات في إدراك الحج، وبني أيضاً على تمامية بعض ما مرّ في المقام الثاني على عدم كفايته فماذا ينبغي أن يقال في التعارض بين الطائفتين؟
قد يقال[١]ـ بعد البناء على دلالة صحيحة معاوية بن عمار على كفاية إدراك عرفات في إدراك الحج، ودلالة رواية محمد بن الفضيل ورواية الحلبيين على عدم الكفاية ـ: إن دلالة الأخيرتين إنما هي بالإطلاق السكوتي، ودلالة صحيحة معاوية إنما هي بالإطلاق اللفظي، ومن الواضح أن دلالة المطلق بالإطلاق اللفظي على سراية الحكم إلى جميع أفراده أقوى من دلالة الإطلاق السكوتي، فإنه في الحقيقة من التعارض بين الناطق والساكت، وعليه فتتقدم صحيحة معاوية على الروايتين.
ولكن يلاحظ على هذا الكلام ..
أولاً: أنه لم يظهر كيف تكون دلالة رواية الحلبيين ورواية محمد بن الفضيل على عدم كفاية الوقوف بعرفات في إدراك الحج بالإطلاق السكوتي؟ فإن الإطلاق السكوتي الذي هو تعبير آخر عن الإطلاق المقامي إنما ينعقد فيما إذا سكت المولى عن بيان أمر لو كان له دخل في غرضه لكان من المناسب جداً التعرض له، بمعنى أن السكوت عنه لا يكون مبرراً عقلاءً. ويختلف عن الإطلاق اللفظي في أن مورد الأخير هو ما إذا كان الحكم وارداً على المقسم بأن كانت الماهية المشتركة بين الواجدة للقيد المحتمل والفاقدة له موضوعاً أو متعلقاً للحكم، فما يراد نفيه بالإطلاق يكون على تقدير ثبوته قيداً لتلك الماهية في وعاء التشريع وموجباً لتضييق دائرة المراد الجدي من اللفظ الدال عليها، كما في قوله: (أكرم العالم) مع الشك في كون مراده خصوص العالم العادل أو مطلق العالم، فإن موضوع الإكرام الواجب هو الماهية القابلة للانقسام إلى قسمين: أي العالم
[١] تعاليق مبسوطة على مناسك الحج ج:١٠ ص:٤٧٧.