بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ٣١٠ - وجوه الجمع بين الطائفتين المتقدمتين والمناقشة فيهما
وقال الراغب[١]: (أما (جميع) فإنه قد ينصب على الحال فيؤكد به من حيث المعنى)، والمقام من هذا القبيل، فكما أنه في قوله في صحيحة حريز: (فاته الموقفان جميعاً) إنما جيء بلفظ (جميعاً) لتأكيد أنه لم يدرك أياً من الموقفين وإن كان المعنى يتم بدونه، كذلك في المقام فإن قوله: (إني لم أدرك الناس بالموقفين) يدل على عدم إدراك أي منهما، والإتيان بلفظ (جميعاً) لتأكيد ذلك وليس قيداً للاحترازية، ليقال: إنه يدل على أنه أدرك أحد الموقفين، لتعلق النفي بالقيد دون المقيد[٢].
[١] مفردات ألفاظ القرآن ص:٢٠٢.
[٢] قد يقال في توجيه ما أفاده المحقق الشيخ حسن (قدس سره) : إن لفظ (جميع) صفة على وزن (فعيل) بمعنى (مفعول) أي (مجموع)، وحاله حال سائر الصفات الاشتقاقية في صلاحيتها للوقوع خبراً ونعتاً وحالاً، ولا إشكال فيما إذا وقع خبراً أو نعتاً، وأما وقوعه حالاً فله صورتان ..
الأولى: أن يقع حالاً في كلام مثبت، كقول القائل: (فاته الموقفان جميعاً). ومقتضى كونه حالاً هو أن يكون مبيناً لهيئة صاحبه، فيكون معنى المثال: أن الموقفين فاتاه في حال كونهما مجتمعين.
والفرق بين الحال والتوكيد أن التوكيد يساق لنفي احتمال التجوز أو الغلط في المفرد كما يقال: فاته الموقفان عينهما ونفسهما، أي أنهما فاتاه لا غيرهما، وأما الحال فيراد به بيان هيئة صاحبه، ويستفاد منه التوكيد وتقرير المعنى ونفي المجاز عرضاً.
ومآل المعنى على التقديرين واحد، وهو في المثال المتقدم ترك كلا الوقوفين، ولا يفترق فيه الحال عن التوكيد.
الثانية: أن يقع حالاً في كلام منفي، كما في قول السائل في الخبر المذكور: (إني لم أدرك الناس في الموقفين جميعاً)، وقضية القواعد المتقدمة أن يكون حالاً من الفعل وأن يكون النفي وارداً عليه، لقضاء السليقة الصحيحة بأن النفي متسلط على القيود كما صرح به المحقق الشيخ حسن (قدس سره) ، فيكون مقصود السائل: أنه لم يدرك الموقفين في حال اجتماعهما مع الفراغ عن تحقق أصل الفعل، أعني إدراك واحد منهما. هذا إذا كان حالاً، ولو جعل توكيداً أفاد تقرير لفظ الموقفين ونفي التجوز عنهما، فكأنه قال: لم أدرك الموقفين المعهودين لا غيرهما. ودلالته على نفي كلٍّ منهما ظاهرة.
ولكن استعمال (جميع) منصوباً على الحالية لم أعثر عليه منفياً في عبارة فصيحة يحتج بها ليعتبر معناها، وما ورد منه حالاً ورد في كلام مثبت، وقد تقدم أن الفرق بين التوكيد والحال لا يظهر فيه، مع أن التوكيد به غير جارٍ على الأصول القياسية، وليس هو على نسق التوكيدات اللفظية التي تتبع ما قبلها في الإعراب، والجوهري انفرد بذكره ومثل له بكلام مثبت، وغالب الظن أن الراغب تبعه فيه، على أن ليس لعبارتهما إطلاق يتناول الاستعمال في المنفي.
وبالجملة: فحال (جميع) المنصوبة حال (مع) المنصوبة، ومعنى (لم أدرك الموقفين جميعاً) هو بعينه معنى (لم أدرك الموقفين معاً)، فكما أن الثانية تقتضي إدراك أصل الموقفين، إذ لم يقل أحد إن (مع) تفيد التوكيد فكذلك الأولى.
وبكل حال فإثبات وقوع (جميع) توكيداً في اللسان الفصيح مشكل.
نعم لا ريب في أن الاستعمالات المتعارفة في زماننا وما قبلها إلى زمانهم : جارية على التوكيد بحيث لا يفهم منها غيره، ويعدّ الحمل على الاحتراز بالنحو الذي مضى تقريره غريباً، بل الظاهر أن حال (مع) المنصوبة كحال (جميع) في دلالته على التوكيد عرفاً، فلا محيد ـ إذاً ـ عن حمل السؤال على فوات كلا الموقفين.
والغرض من هذا الكلام هو دفع الإشكال عما ذكره المحقق الشيخ حسن (قدس سره) ، فإنه مطابق للقواعد العرفية، ولا تشهد الاستعمالات الفصيحة بخلافه، ولكن لا تحمل عليه المحاورات العرفية كما صنعه (طاب ثراه).