بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٧ - هل إن قوله تعالى
وقريش ترجو أن تكون إفاضته من حيث كانوا يفيضون ـ أي لا يمضي إلى عرفة بل يمكث في المزدلفة وتكون منها إفاضته ٦ ـ فأنزل الله عليه: (ثُمَّ أَفِيضُوا مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ النَّاسُ وَاسْتَغْفِرُوا اللَّهَ) يعني ابراهيم وإسماعيل وإسحاق في إفاضتهم ومن كان بعدهم).
ثم قال (قدس سره) : (ولا ينبغي الريب في أن مرجع الضمير في (منها) هو المزدلفة، إذ لم يسبق في الحديث أدنى ذكر أو إشارة إلى عرفات).
وحاصل مرامه (طاب ثراه) في تفسير الآيتين الكريمتين هو أن الله تعالى لما أمر بأن يذكروه بعد إفاضتهم من عرفات في المشعر الحرام أشار إلى أنه يجب أن يقفوا في المشعر فلا يكون حضورهم فيه على سبيل الاستطراق بل ينزلوا فيه حتى يفيضوا منه بعد ذلك، إذ لا إفاضة من مكان إلا بعد النزول فيه، وأما مع النزول في مكان قبله والمرور على المكان اللاحق فإن الإفاضة تكون من المكان الأول ولا إفاضة أخرى من المكان الثاني.
ولكن يلاحظ على ما أفاده (قدس سره) ..
أولاً: بما تقدم آنفاً من أنه لو كان الله تعالى يريد الإشارة إلى لزوم الإفاضة من المشعر لا مجرد استطراقه لكان ينبغي أن يقول: (ثم أفيضوا منه كما أفاض الناس)، لأن المشعر مذكور قبله باسمه فالمناسب إرجاع الضمير إليه لا ذكره مرة أخرى بعنوان (حيث أفاض الناس).
وثانياً: أن ما ذكره (قدس سره) وفسر به الرواية من أن قريشاً كانت تمنع الناس من الاستقرار بعض الوقت في المزدلفة ليفيضوا منها كما أفاضوا من عرفات مما لم يعثر على شاهد له في شيء من المصادر الأخرى، بل هناك ما يشهد على خلافه.
فقد حكى بعض الباحثين[١]: (أنه تقف الحمس في حجها على أنصاب الحرم من نمرة .. أما الحلة والطلس ـ أي غير الحمس من بقية العرب ـ فيقفون على الموقف من عرفة، عشية يوم عرفة، فإذا دفع الناس من عرفة وأفاضوا أفاضت الحمس من أنصاب الحرم حتى يلتقوا بمزدلفة جميعاً. وكانوا يدفعون
[١] المفصل في تاريخ العرب قبل الإسلام ج:٥ ص:٣٧٩.