بحوث في شرح مناسك الحج - الشيخ أمجد رياض والشيخ نزار يوسف - الصفحة ١٥ - هل إن قوله تعالى
يُغْضي حَياءً ويُغْضَى مِن مَهابَتِه * * * فلا يُكَلَّمُ إِلاَّ حيث يَبْتَسِمُ
ولكن هذه الشواهد مخدوشة، فإنه لا قرينة على كون (حيث) في البيت الأول زمانية، بل الظاهر كونها مكانية، والمعنى: أمضي إلى المكان الذي لا حي يمضي إليه. وكذلك في البيت الثاني، والمعنى: كتغميض القطا في المكان الذي يُعرِّس فيه، والمراد من التعريس هو نزول المسافر قبيل الفجر للنوم والاستراحة. وكذلك في البيت الثالث، والمعنى: إذا هبط الناس من المكان الذي عرّفوا فيه ـ وهو عرفات ـ. وأما قوله في البيت الأخير: (حيث يبتسم) فهو تصحيف، والصحيح كما ذكره الجاحظ وابن قتيبة وأبو الفرج الأصفهاني والسيد المرتضى وابن شهراشوب[١]وغيرهم: (حين يبتسم).
والحاصل: أن عمدة ما يشهد لمجيء (حيث) للزمان هو البيت الذي أورده ابن هشام، والملاحظ أنه لم يذكر قائله في المصادر المعنية بذلك، واحتمال كونه في الأصل (حينما تستقم) وارد، كما لوحظ مثله في بيت الفرزدق[٢].
وأما ما حكاه ابن هشام عن الأخفش من البناء على مجيء (حيث) للزمان أحياناً فلم أجد له مصدراً ولا قائلاً به غير ابن هشام، ويصعب البناء عليه لشاهد واحد لم تتأكد صحته.
نعم لا ينكر أنه في الاستعمالات اللاحقة قد استخدمت (حيث) للأعم من المكان، بل من المتداول استعمالها في عصرنا الحاضر بمعنى (الجهة) أو ما يقرب منها، ولذلك تجمع فيقال: (حيثيات الحكم) ونحو ذلك، ولكن هذه استعمالات مستحدثة لا يمكن أن يحمل عليها ما ورد في الكتاب العزيز.
[١] البيان والتبيين ص:١٩٤. عيون الأخبار ج:١ ص:٤١٠. الأغاني ج:١٥ ص:٢١٤. الأمالي للسيد المرتضى ج:١ ص:٤٨. مناقب آل أبي طالب ج:٣ ص:٣٠٧.
[٢] ويضاف إلى ذلك ما حكي عن الدماميني من أن الاستشهاد به (كأنه جاء من قبل قوله: (في غابر الأزمان) فصرح بالزمان وليس بقاطع، فإن الظرف المذكور إما لغو متعلق بـ(يقدر) وإما مستقر صفة لـ(نجاحاً)، وذلك لا يوجب أن يكون المراد بـ(حيث) الزمان، لاحتمال أن يكون المراد: أينما تستقم يقدر لك النجاح في الزمان المستقبل). يلاحظ خزانة الأدب ج:٧ ص:١٩، وتاج العروس ج:٣ ص:٢٠٠.