جامع الخلاف و الوفاق - المؤمن السبزواري القمي، الشيخ علي - الصفحة ٤٨٢ - فصل في الطلاق
إليه و ترك اعتزالها، لأنه كان فارقها ظنّا منه بوقوع الطلاق، و ذلك يقال على سبيل الحقيقة لمن طلّق زوجته طلاقا فاسدا، و لمن ظنّ وقوعه، فأخرجها من منزله و اعتزلها [١].
إذا طلّقها ثلاثا بلفظ واحد كان مبدعا، و وقعت واحدة عند تكامل شروطه عند أكثر أصحابنا، و فيهم من قال: لا يقع شيء أصلا، و به قال علي (عليه السلام) و أهل الظاهر، و حكى الطحاوي عن محمد بن إسحاق [٢] انه قال: يقع واحدة كما قلناه.
قال الشافعي: المستحب أن يطلّقها طلقة فإن طلّقها ثنتين أو ثلاثا في طهر لم يجامعها فيه، دفعة أو متفرقة، كان ذلك واقعا مباحا غير محظور، و قال أبو حنيفة و مالك: إذا طلّقها ثنتين أو ثلاثا في طهر واحد دفعة أو متفرقة فعل محرّما، و عصى و أثم، إلّا أنّ ذلك واقع.
لنا قوله تعالى فَطَلِّقُوهُنَّ لِعِدَّتِهِنَّ وَ أَحْصُوا الْعِدَّةَ [٣] فأمر بإحصاء العدّة، و ثبت انه أراد في كل قرء طلقة، و قوله الطَّلٰاقُ مَرَّتٰانِ [٤] يعني دفعتين، ثم قال فَإِنْ طَلَّقَهٰا فَلٰا تَحِلُّ لَهُ مِنْ بَعْدُ حَتّٰى تَنْكِحَ زَوْجاً غَيْرَهُ [٥] و من جمع بين الثلاث فإنّه لم يطلّق دفعتين و لا الثالثة، فإن قالوا: إذا ذكر العدد عقيب الاسم لا يقتضي التفريق و إنّما يقتضي ذلك إذا ذكر عقيب الفعل، مثال الأول إذا قال له: عليّ مائة درهم مرّتان و مثال الثاني: أدخل الدّار مرّتين، و العدد في الآية عقيب الاسم لا الفعل، فجوابه أن معنى قوله تعالى الطَّلٰاقُ مَرَّتٰانِ طلّقوا مرّتين، لأنه لو كان خبرا لكان كذبا، فالعدد مذكور عقيب الفعل لا الاسم [٦]، و أيضا فإنّه إذا قال: أنت طالق ثلاثا مع تكامل شروطه وجب وقوعه، و ما أبدع من قوله: (ثلاثا) لا حكم له في الشرع، لأنه مخالف للسنّة، و لا تأثير له في إفساد ما قد تكاملت شروطه الشرعية من الطلاق، و لا فرق بين أن يتبع الطلاق بقوله: ثلاثا، و بين أن يتبعه بشتم المرأة، و كما أنّ ذلك- و أن كان بخلاف السنّة- غير مانع من وقوع الطلاق فكذلك ما نحن فيه.
و يدل على أنّه قوله: (ثلاثا) بدعة قوله تعالى الطَّلٰاقُ مَرَّتٰانِ، و المراد بذلك الأمر، لأنه لو كان خبرا لكان كذبا، فكأنه قال: طلّقوهنّ مرتين و لا يكون الطّلاق مرّتين إلّا بحصول
[١] الغنية: ٣٧١- ٣٧٢.
[٢] الظاهر أنّه محمّد بن إسحاق بن خزيمة بن المغيرة السلمي مولى لهم. من أهل نيسابور، مات سنة (٣١٢) و كان يقال له: إمام الأئمّة جمع بين الفقه و الحديث. طبقات الفقهاء: ١١٦.
[٣] الطلاق: ١.
[٤] البقرة: ٢٢٩.
[٥] البقرة: ٢٣٠.
[٦] الخلاف: ٤/ ٤٥٠ مسألة ٣.