الفائق في غريب الحديث - الزمخشري - الصفحة ١٧ - رثث *
التَّغَنِّي بالقرآن: الاستغناء به، و قيل كانت هِجِّيرى العرب التغني بالرُّكْبَانيّ، و هو نَشِيدٌ بالمدِّ و التَّمطِيط إذا ركبوا الإبل و إذا انْبَطَحُوا على الأرض، و إذا قَعَدُوا في أفْنِيَتِهم، و في عامّة أحوالهم، فأحبَّ الرسولُ أن تكونَ قراءة القرآن هِجِّيرَاهم، فقال ذلك؛ يعني ليس منا من لم يضع القرآن موضع الرُّكْبَانِيّ في اللَّهَج به و الطَّرَب عليه. و قيل: هو تَفَعُّل؛ من غَنِيَ بالمكان إذا أقام به [غنًى]، و ما غَنِيت فلاناً أي ما ألِفته. و المعنى: من لم يلزمه و لم يتمسك به.
و الأول يحتج لصحته و وجاهته بمقدّمة الحديث و
قول ابن مسعود: من قرأ سورة آل عمران فهو غنيّ.
و
عن الشعبي (رحمه اللّٰه): نِعْم كَنْزُ الصُّعْلُوكِ سورةُ آل عمران يقوم بها من آخر الليل.
و
في الحديث: من قرأ القرآن فرأى أن أحداً أُعْطِيَ أفضَل مما أُعْطِيَ فقد عَظَّمَ صغيراً و صَغَّرَ عظيماً.
الزُّبير رضي اللّٰه عنه- إن كَعْبَ بن مالك ارْتُثَّ يوم أُحُد، فجاء به الزُّبير يقود بزمام راحلته، و لو مات يومئذ عن الضِّيح و الرِّيح لورثه الزبير، و قد آخى رسول اللّٰه (صلى اللّه عليه و سلم) بينهما، فأنْزَلَ اللّٰه تعالى: وَ أُولُوا الْأَرْحٰامِ بَعْضُهُمْ أَوْلىٰ بِبَعْضٍ فِي كِتٰابِ اللّٰهِ* [الأنفال: ٧٥].
الارْتِثَاثُ: أن يُحْمَلَ من المعركة و هو ضعيف قد أَثْخَنَتْهُ الجِراحات من الرّثَّة، و هم الضعفاء من الناس، و منه قول الخنساء: أتَرَوْنَنِي تاركةً بني عَمِّي، كأنهم عوالِي الرّماح، و مُرْتَثّةً شيخَ بني جُشَم! قال:
يَمَّمْتُ ذا شَرَفٍ يُرْتَثُّ نائلُهُ * * *من البريَّةِ جيلًا بعده جِيلُ
و منه
حديث زيد بن صُوحان (رحمه اللّٰه تعالى): إنه ارْتُثَّ يوم الجمل، فقال: ادفنوني و لا تَحُسُّوا عني تُرَاباً.
أي لا تَنْفُضُوا، من حَسَسْتُ الدابة.
الضِّيح: صحّحه بعضهم، و زعم أنه قَلْبُ الضّحى، من ضُحَى الشمس، و الصواب الضِّحّ، و هو ضوء الشمس إذا استمكن من الأرض؛ و منه ضَحْضَحَةُ السّراب و هو تَرَقْرُقُهُ.
قال ذو الرُّمة:
غَدَا أكْهَبَ [١] الأعْلَى و راح كأَنَّهُ * * *من الضِّحِّ و استقباله الشمس
أخْضَرُ [٢]
و في أمثالهم: جاء بالضِّخّ و الرِّيح، أي بما طلعت عليه الشمسُ، و جرت عليه الريحُ؛ يعني كثرة المال، كما يقولون: جاء بالطِّم و الرّم [٣]. و المعنى لو تَرَكَ الجمَّ الغفيرَ من المال
[١] الأكهب: الأغبر إلى سواد.
[٢] البيت في ديوان ذي الرمة ص ٢٢٩.
[٣] الطمِّ و الرمِّ: الرطب و اليابس.