الفائق في غريب الحديث - الزمخشري - الصفحة ٢٤٠ - صدع *
الصاد مع الدال
[صدأ]*:
أبو بكر رضي اللّٰه تعالى عنه-
سئل ابنُ عباس عن السَّلَف، فقال أَ عَنْ أبي بكر؟ كان و اللّٰه برًّا تَقِيًّا من رجل، كان يُصَادِي غَرْبَه.
أي يُداري حِدّتَه، و يَسكّن غضبه. قال مُزَرِّد:
ظَللناها نُصادِي أمّنا عن حميتها * * *كأَهْلِ الشَّمُوسِ كلُّهم يتودَّدُ
عن: تعلق بفعل محذوف؛ أراد التساؤل عن أبي بكر.
من رجل: بيان كقوله تعالى: مِنَ الْأَوْثٰانِ [الحج: ٣٠].
[صدع]*:
عمر رضي اللّٰه تعالى عنه- سأل الأسقُفَّ عن الخلفاء، فحدَّثه حتى انتهى إلى نَعْت الرابع، فقال: صَدَعٌ من حديد. فقال عمر: وا دَفَراه!- و رُوي: صَدَأُ حديد.
الصَّدَع: الوَعِل بين الوَعِلين، ليس بالغَليظ و لا بالشَّخْت. قال الأعشى:
قد يَتْرُكُ الدَّهْرُ في خَلْقَاء رَاسِيةٍ * * *وَهْياً و يُنْزِلُ منها الأعْصَم الصَّدَعا
[١]
و إنما يوصف بذلك لاجتماع القوة و الخفّة له، و قد يوصف به الرجل أيضاً.
و منه الحديث:
قال سُبيع بن خالد: قدمتُ الكوفةَ فدخلت المَسْجد، فإذا صَدَع من الرجال، فقلتُ: مَنْ هذا؟ قالوا: أ ما تعرفه؟ هذا حُذَيفة صاحب رسول اللّٰه (صلى اللّه عليه و سلم).
أي متوسط في خَلْقِه، لا صغير و لا كبير؛ شبهه في خِفَّته في الحروب، و نُهوضِه إلى مُزَاولة صعابِ الأُمور حين أَفْضَى إليه الأمْرُ بالوَعِل؛ لتَوَقُّلِهِ في شَعَفَاتِ الجبال و القُلَل الشاهقة. و جعل الصَّدَع مِنْ حديد مبالغةً في وصفه بالبأس و النجدة و الصَّبْر و الشدة.
و الهمزة فيمن رواه صدأ بدلٌ من العين؛ كما قيل أُباب في عُباب. و يجوز أن يُراد بالصَّدَأ السَّهَك، و أنْ تكون العين مُبْدَلةً من الهمزة في صَدَع، كما قيل: و للّٰه عَنْ يَشْفِيك.
يعني: دَاوَم لُبْسَ الحديدِ لاتصال الحروب حتى يسهَك. و المراد علي رضي اللّٰه تعالى عنه و ما حدث في أيامه من الفِتَن، و مُنِيَ به من مقاتلة أهل الصَّلَاة؛ و مُنَاجزة المهاجرين و الأنصار، و ملابسة الأمور المشكلة، و الخطوب المعضلة؛ و لذلك قال عمر: وا دَفَراه!
و الدَّفْر: النَّتْن؛ تضجّراً من ذلك و استفحاشاً له.
[٢] (*) [صدأ]: و منه الحديث: إن هذه القلوب تصدأُ كما يصدأ الحديد. النهاية ٣/ ١٥.
[٣] (*) [صدع]: و منه في حديث الاستسقاء: فَصدَّع السحاب صدعاً. و الحديث: فأعطاني قبطيةً و قال:
اصدَعها صدعين. و في حديث أوفى بن دلهم: النساء أربع، منهن صدع تُفرِّق و لا تجمع. النهاية ٣/ ١٦، ١٧.
[١] البيت في ديوان الأعشى ص ١٣.