انوارالاصول - القدسي، أحمد - الصفحة ٥٠٠
و نوع ثالث منها لا يدرك العقل الحسن او القبح فيها لا
بالضرورة و لا بالتأمل و ذلك كما فى جزئيات الاحكام الشرعية فى ابواب
العبادات و غيرها , و بعبارة اخرى , يحتاج العقل فى ادراكه للحسن او
القبح فيها الى توسط من الشرع لانه يتوقف على درك المصلحة او المفسدة و
عللها و هى امور خارجية لاطريق للعقلالى الحصول عليها الا من طريق الشرع ,
و هذا نظير ادراك العوام لمضار الادوية و منافعها فان ادراكهم لها
جزئى صادق فى جملة من الادوية , و اما فى غيرها فيحتاجون الى نظر الطبيب .
و من هنا يظهر الجواب عن استدلال الاخباريين ببعض الروايات
الدالة على قصور العقل فى ادراكه لمصالح الاحكام و مفاسدها كقوله ( ع[ ( (
ان دين الله لايصاببالعقول]( او قوله ( ع[ ( ( و ما ابعد عقول الرجال عن
دين الله]( فان الظاهر هذه الروايات ناظرة الى الغالب و القسم الثالث
من القضايا , و لا تدل على نفى الادراك مطلقا , كيف و الشارع بنفسه
يستدل بالعقل فى كثير من الموارد و يخاطب الناس بقوله[ ( افلا
تتفكرون]( او[ ( افلا تعقلون]( و بقوله[ ( يا اولى الالباب]( و[ (
هاتوا برهانكم]( و لذلك اعترف كثير من الاخباريين بادراك العقل
للضروريات العقلية و اضطروا الى استثنائها من مقالتهم و قد مر تفصيل
الجواب عنهم فى اثناء مباحث القطع و حجية القطع الحاصل من طريق العقل
فراجع .
الامر الثالث : اذا اجتمع عنوانان او عناوين عديدة بعضها حسن و
بعضها قبيح على شيى واحد كالدخول فى الارض المغصوبة ( ١ ) لانقاذ الغريق
فانه قبيح من جهة انطباق عنوان الغصب عليه و حسن من جهة انطباق عنوان
الانقاذ عليه فلا اشكال حينئذ فى ان الفعل تابع لاقوى الجهات بعد كسر و
انكسار او يصير خاليا عن الحسن و القبح اذا كانت الجهات متساوية فلا
يكون هو من باب اجتماع النقيضين ( كما
١ و قد جاء التمثيل لهذا فى بعض الكلمات بقول القائل[ : (
سأكذب غدا]( فان كذبه غدا قبيح من باب قبح الكذب و حسن من باب الوفاء .
ولكن يرد عليه انه مغالطة واضحة فان وجوب الوفاء يختص بما اذا كان المتعلق راجحا .