الفائق في غريب الحديث - الزمخشري - الصفحة ٢٠٧ - شعب
الجنون، و شَرّ الروايا رَوايا الكذب، و من يَنْوِ الدنيا تُعْجِزْه، و مِنَ النَّاسِ من لا يأتي الصّلاة إلا دُبُراً، و لا يذكر اللّٰه إلا مُهاجِراً.
الشُّعبة من الشيء: ما تَشَعَّب منه؛ أي تفرّع كَغُصْن الشجرة. و شُعَب الجبال: ما تفرق من رؤوسها، و عندي شُعْبة من كذا؛ أي طائفة منه.
و المعنى أن الشباب شَبِيهٌ بطائفة من الجُنون؛ لأنه يغلِبُ العَقْل بميل صاحبه إلى الشهوات غَلَبةَ الجنون.
في الرَّوَايا ثلاثةُ أوْجُه: أنْ يكون جَمْع رَوِيَّة؛ أي شرُّ الأفكار ما لم يكن صادقاً صالحاً مُنَصّباً إلى الخير، و جمع رِوَاية؛ أراد الكَذِبَ في [رواية] الأحاديث، و جمع رَاوِية و هي الجَمل الذي يُرْوَى عليه الماء، أي يُسْتَقى، يقال: رَوَيْتُ على أهلي؛ إذا أتيتهم بالماء، و هو راوٍ من قومٍ رُوَاة؛ أي شَرُّ الروايا مَنْ يَأْتِي الناسَ بالأخبار الكاذبة، شبيهاً بالرَّاوية فيما يَلْحَقُه في تَحَمُّل ذلك، و الاستقلال بأعبائه من العناء و النَّصَب.
نَوَى الشيءَ: جَدَّ في طلبه؛ أيْ من طَلَبها جادًّا في ذلك لِيبلُغَ غايتها أعْجَزَتْه و خيبَّته.
دُبُراً: أي خرا؛ و روي بالفتح، و دُبْر الشيء و دَبْره: عَقِبه و آخره.
مهاجراً: أي يهاجِر قَلْبُه لسانه، و لا يواطِئُه على الذكر.
ابن عباس رضي اللّٰه عنهما- قال له رجل من بَلْهُجَيْم: ما هذه الفُتْيا التي قد شَعَّبت الناس؟
أي فرقتهم. و الشَّعْبُ من الأضداد، يكون التَّفْرِقة و الْملاءَمة، و أصل الباب و ما اشتق منه على التفريق؛ و كأنّ الملاءمة إنما قيل لها شَعْب؛ لأنها تقع عَقِيبةَ التفريق و بعده، فهي من باب تسمية الشيء باسم ما يُجَاوره و يُدانيه.
قال في قوله عزَّ و جلَّ: وَ جَعَلْنٰاكُمْ شُعُوباً وَ قَبٰائِلَ [الحجرات: ١٣]: الشُّعوب:
الجُمَّاع. و القَبائل: الأفخاذ يتعارفون بها.
جُمّاع كل شيء: مُجْتَمَع أصله، يقال لِمَا اجتمع في الغُصْن من بَراعيم النَّور: هذا جُمّاع الثّمَر.
و العرب على ست طبقات: شَعْب كمُضَر، و قَبيلة ككِنانة، و عِمَارة كقريش، و بَطْن كقُصَيّ، و فَخِذ كهاشم، و فَصِيلة كالعباس.
و قيل: الجُمّاع الذين ليس لهم أصل نَسبٍ، فهم متفرقون. قال ابن الأسْلَت:
مِنْ بين جَمْع غَيْرِ جُمّاع [١]
[١] صدره:
ثم تجلت و لنا غايةٌ
و البيت لقيس بن الأسلت في لسان العرب (جمع).