الفائق في غريب الحديث - الزمخشري - الصفحة ٣٦٩ - عصر
[عصم]*:
لما فرغ (صلى اللّه عليه و سلم) مِنْ قتال أهْل بَدْر أتاه جبرئيل على فرس أنثى حمراء، عَاقداً ناصيته، عليه دِرْعُه، و رُمْحُه في يده قد عَصَم ثَنِيَّتَه الغُبارُ؛ فقال: إن اللّٰه أمرني- ألّا أفارقك حتى تَرْضَى، فهل رضيت؟ قال: نعم، قد رضيت؛ فانصرف.
مِنْ عَصَبَ الريقُ فاه و عَصَمه؛ إذا لزِق به؛ على اعتقاب الباء و الميم؛ و لهما نظائر.
و يجوز أن يُراد بالثَّنِيَّة الطريق الذي أتى فيه؛ و أنَّ الغبار قد عَصَمه، أي مَنَعَه و صَدَّه، لتكاثفه و اعتكَاره؛ كما يقال: غُبَار قد سدّ الأُفق.
في المختالات المتبرِّجات قال (صلى اللّه عليه و سلم): لا يدخُل الجنّة منهنّ إلا مثل الغراب الأعصم.
قيل: يا رسول اللّٰه، و ما الغُرَابُ الأعصم؟ قال: الذي إحدى رجليه بَيْضاء.
و
روي: عائشةُ في النساء كالغُراب الأعصم في الغِرْبان.
قال ابنُ الأعرابيّ: الأعصم من الخَيْل الذي في يديه بياض؛ قلَّ أو كثر، و الوُعُول أكثرها عُصْمَة.
و قال الأصمعي: العُصْمة بَياض في ذِرَاعيِ الظبي و الوَعِل.
و عن بعضهم: بياض في يديه أو إحداهما كالسِّوَار.
و تفسير الحديث يطابق هذا القول، إلا أن الرِّجْلَ موضوعةٌ مكان اليد؛ قالوا: و هذا غيرُ موجود في الغربان، فمعناه إذن أنه لا يدخل أحد من المختالات المتبرِّجات الجنة.
و قيل: إنَّ الجناحَيْنِ للطائر كاليدين للبَهيمة.
و الأعصم من الغِربان: الذي في أحد جَناحيه ريشةٌ بيضاء، و هو قليل فيها؛ فعلى هذا يدخل القليل النادِرُ منهن الجنة.
[عصر]:
عُمر رضي اللّٰه تعالى عنه- قضى أنَّ الوالدَ يعتصِر وَلَدهُ فيما أعطاه، و ليس للولدِ أن يَعْتَصِر من والده.
اتسع في الاعتصار، فقيل بنو فلان يعتصرون العطاء، قال:
فَمنَّ و استَبْقَى و لم يَعْتَصِرْ * * *مِنْ فَرْعِه مالًا و لا المكْسِرُ [١]
و اعتصر النخلَة، إذا ارتجعها.
و المعنى أن الوالد إذا نَحَل ولده شيئاً فله أن يأخذه منه؛ فشبّه أخْذَ المال منه و استخراجه من يده بالاعتصار.
[٢] (*) [عصم]: و منه الحديث: من كانت عِصْمته شهادة أن لا إله إلا اللّٰه. و حديث الحديبية: وَ لٰا تُمْسِكُوا بِعِصَمِ الْكَوٰافِرِ. النهاية ٣/ ٢٤٩.
[١] البيت بلا نسبة في لسان العرب (عصر).