الفائق في غريب الحديث - الزمخشري - الصفحة ٣٦٢ - عسل *
العَسيف: الأجير و العبد المُستهان به. قال:
أطَعْتُ النفسَ في الشَّهوَات حَتَّى * * *أعادَتْنِي عَسِيفاً عَبْدَ عَبْدِ [١]
و لا يخلو من أن يكون فَعيلًا بمعنى فاعل كَعليم، أو بمعنى مَفْعول كأسير، فهو على الأول من قولهم: هو يَعْسِف ضَيْعتهم [٢]؛ أي يرعاها و يكفيهم و يقال: كم أعْسِف عليك! أي كم أعمل لك! و على الثاني من العَسْف؛ لأن مولاه يَعْسِفُه على ما يريد، و جمعه على فُعَلاء في الوجهين، نحو قولهم: عُلماء و أُسَراء.
الأَسِيف: الشيخ الفاني، و قيل العبد. و عن المبرِّد: يكون الأجير و يكون الأسير.
و
في الحديث: لا تقتلوا عَسيفاً و لا أسِيفاً.
[عسل]*:
إذا أراد اللّٰه تعالى بعَبْدٍ خيراً عَسَله. قيل: يا رسول اللّٰه، و ما عَسَله؟ قال:
يَفْتَحُ اللَّهُ له عملًا صالحاً بين يدي مَوْتِه، حتى يرضى عنه مَنْ حوله.
هو من عَسَل الطعامَ بعسِله و يَعْسُله، إذا جعل فيه العَسل؛ كأنه شَبّه ما رزقه اللّٰه من العمل الصالح الذي طاب به ذِكرُه بين قومه بالعَسل الذي يُجْعَلُ في الطعام فَيَحْلَوْلِي به و يَطيب.
قال لامرأة رِفاعة القُرَظِيّ: أ تريدين أنْ تَرْجِعي إلى رِفاعة؟ [فقالت: نعم! قال:] لا؛ حَتَّى تَذُوقي عُسَيْلَتَهُ و يَذُوقَ عُسَيْلَتك.
قلت: فإنه يا رسولَ اللّٰه قد جاءني هَبَّة.
و روي أن رِفاعة طَلّق امرأتَه فتزوَّجها عبد الرحمن بن الزبير، فجاءت و عليها خِمارٌ أخضر، فشكت إلى عائشة و أرَتْها خُضْرة جِلْدِها. فلما جاء رسول اللّٰه (صلى اللّه عليه و سلم)- و النساء يَنْصُرُ بعضهنّ بعضاً- قالت عائشة: ما رأيتُ مثلَ ما تَلْقَى المؤمنات! لَجِلْدُها أشَدُّ خُضرَةً من ثوبها!
و سمِع أنها قد أتَتْ رسول اللّٰه (صلى اللّه عليه و سلم)، فجاء و معه ابنان له مِنْ غيرِها. قالت: و اللّٰه ما لي إليه من ذَنْب إلا أنّ ما معه ليس بأغنى عني من هذه- و أخَذَتْ هُدْبَةً مِنْ ثَوْبِهَا- فقال: كذبت و اللّٰه! يا رسول اللّٰه إني لأنْفُضُها نَفْضَ الأديم؛ و لكنها ناشِزٌ تريد رِفاعة.
فقال رسول اللّٰه (صلى اللّه عليه و سلم): فإنْ كان ذلك لم تَحِلِّي له حتى تَذُوقِي عُسَيْلَته؛ فأبصر معه ابنين له، فقال أ بنوك هؤلاء؟ قال نعم، قال: هذا الذي تَزْعُمين ما تزعمين! فواللّٰه لهم أشْبَه به من الغُراب بالغراب.
[١] البيت في أساس البلاغة (عسف).
[٢] الضيعة: مال الرجل من النخل و الكرم و الأرض.
[٣] (*) [عسل]: و منه في حديث عمر: أنه قال لعمرو بن معديكرب: كذب، عليك العَسَل. النهاية ٣/ ٢٣٧.