الفائق في غريب الحديث - الزمخشري - الصفحة ١٤٥ - سفع *
أحدهما: أنْ يكون على حذف الجار، و إيصال الفعل؛ كأنَّ الأصلَ سَفِهَ على الحق.
و الثاني: أن يضمن معنى فِعْلٍ متعدٍّ، كجَهِل و نَكِر، و المعنى الاستخاف بالحق، و ألَّا يراه على ما هو عليه من الرُّجْحان و الرزانة.
الغَمْز و الغَمْص و الغَمْط: أخوات، في معنى العيْب و الازدِراء. و في غَمَص و غَمط لغتان: فَعَل يَفْعَل، و فَعِل يَفْعِل.
ذلك: إشارة إلى البغي، كأنه قال: إنما البغي مِنْ سفه، و المعنى: فعل من سَفه.
[سفع]*:
رأى (صلى اللّه عليه و سلم) في بيت أم سَلَمة جارية، و رأى بها سَفْعَةً؛ فقال: إنّ بها نَظْرةً فاستَرْقُوا لها.
السَّفْعَةُ: المسُّ من الجنون، و حقيتها: المَرَّة؛ من السَّفْع؛ و هو الأخذ، يقال: سَفَع بناصيةِ الفرس ليركبَه أو يُلجمه، و سَفَع بيده فأقامه. و في كلام قضاة البصرة: اسفَعَا بيده.
و منه
قول ابن مسعود رضي اللّٰه عنه لرجل رآه: إنَّ بهذا سَفْعة من الشيطان، فقال له الرجل: لم أسمعْ ما قلت، فقال: نَشَدْتُك باللّٰه، هل ترى أحداً خيراً منك؟ قال: لا، قال:
فلهذا قلت ما قلت.
جعل ما به من العجَب مَسًّا من الجنون.
و النَّظْرة: الإصابة بالعين، يقال: إنّ به نَظْرة، و صَبِيٌّ منظور. قال:
ما لقيت حُمر أبي سوَارِ * * *من نَظْرةٍ مثل أجيج النار
و كأنّ المعنى أنّ السَّفْعة أدركتها من قبَل النَّظْرة، فاطلبوا لها الرُّقية. و قيل: السُّفعة العين و صبي مسفوع: مَعِين [١]؛ فهي على هذا في معنى النَّظْرة سواء.
قَدِم عليه (صلى اللّه عليه و سلم) أبو عمرو النَّخَعيّ رضي اللّٰه عنه في وفد من النَّخَع، فقال: يا رسول اللّٰه؛ إني رأيت في طريقي هذا رؤيا، رأيت أتَاناً تركتُها في الحي، وَلَدَتْ جدياً أسفَع أحْوَى. فقال له رسول اللّٰه (صلى اللّه عليه و سلم): هَلْ لك من أمَةٍ تركتها مُسِرّة حَمْلًا؟ قال: نعم، تركت أَمَةً لي أظنها قد حَمَلَتْ. قال: فقد وَلَدَتْ غلاماً، و هو ابنُك. قال: فما له أسفَعَ أحوى؟ قال: ادْنُ مني، فدنا. قال: هل بك من بَرَص تكتُمه. قال: نعم، و الذي بعثك بالحق ما رآه مخلوق و لا عَلِمَ به. قال: هو ذاك قال: و رأيت النعمان بن المنذر عليه قُرْطان و دُمْلُجان و مَسَكَتَان. قال:
ذاك ملك العرب عاد إلى أفْضَلِ زِيّه و بَهْجته. قال: و رأيت عجوزاً شَمْطاء تخرج من الأرض، قال: تلك بقية الدنيا، قال: و رأيت ناراً خرجتْ من الأرض فحالت بيني و بين ابْنٍ
[٢] (*) [سفع]: و منه حديث أبي اليسر: أرى في وجهك سفعةً من غضب. و الحديث: ليصيبن أقواماً سَفْعٌ من النار. النهاية ٢/ ٣٧٤.
[١] المعين: أي المصاب بالعين.