سند الأصول، بحوث في أصول القانون و مباني الأدلة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢١٣ - ملاحظات على الصياغة العرفانية
جمع تجارب القضاة واستخلاص الكلّيات منها] لوجدناه أنه يعتمد التجارب القضائية لعهد ما قبل المسيح التي بقيت محفوظة، مع أنّ التغير الحاصل من ذلك العهد إلى عهدنا لا يمكن أن يوصف، ولكنّه مع ذلك لم يتغافل عن تلك التجارب على خصوصيتها، وإنما استفاد منها من جهة ثباتها. فالتغافل عن الثبات تغافل عن وجه اللّه وتغافل عن التوحيد.
ثامناً: نحن نلمس جهة حق في نظرية هؤلاء وهي أنّ صرف سلامة القوانين الكلّية وأحكامها ووفائها وتغطيتها لكلّ المستجدات، مع كون المتغيرات شديدة الإلتباس والتعقيد لا يكفي حلًا للمشكلة ما لم تتنزل تلك الكلّيات في المتغيرات الملتبسة المعقدة بصواب وسداد، وإلّا ما زلنا ندور في الفراغ، إذ صرف معالجة الشريعة لجهات الثبات، وتصوير استيعاب الكلّيات للجزئيات، وأنّ القرآن تنزّل لكلّ ما يمكن تنزّله، وأنّ الرسول دوماً أكمل من البشر، كلّ ذلك وغيره مما ذكر لا يعالج المشكلة في بُعدها التطبيقي العملي، وإن عالجها على المستوى التجريدي النظري.
ومعه للمستشكل أن يسجّل هذه المؤاخذة وهي أن هناك نقصاً في الرسالة والشريعة حيث لم تردم هذا الفراغ مما يضطر البشرية إلى إعمال فكرها واجتهادها الشخصي وسنّ قوانين بشرية لهذه التغيرات.
والحقّ أنّ ما تقدّم من الأجوبة لم يعالج هذه الزاوية من الإشكال، ولكن إقرار المشكلة لا يعني إقرار الحلّ الذي وضعوه، فإنه خطأ بعد أن كان هناك قرآن ناطق جنباً إلى جنب القرآن الصامت يرافق البشرية ما دامت موجودة، وهو المعصوم (ع) فإنّ واحدة من مهامه وشؤونه هي تنزيل الكلّي على مصداقه، وإيصال إرادات اللّه الجزئية وتحكيمها على إرادة النفس.
والإشكال الحق- لولا ما ذكرناه من الحلّ- بدليل (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ