سند الأصول، بحوث في أصول القانون و مباني الأدلة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٨٤ - التردد مع وجود الدليل وكذا الرفض من دون دليل غير منهجي
الحقيقة بمقدار ما هو وصول، له ثبات وقداسة لا يمكن تقويضه والإستهانة به؛ لأنّ غاية ما يثبته الدليل هو تطوّر الفهم، وهو يعني عدم التناقض بين النتائج و إن تناقضت في الحدود، أي في بُعد (بشرط لا) وأمّا على مستوى الماهية اللّابشرط فلا تناقض. وبالتالي فالإخبات لابدّ منه بمقدار ما وصل إليه الإنسان، ويكون مقدساً بهذا القدر. نعم، ليس من حقه أن يلغي وينفي ما عداه من دون دليل؛ إذ وصوله لابدّ أن لا يؤثر على عدم وصوله وبالعكس، فلابدّ أن يبقى على حالة الفاحص المتأمل المتدبر لا على حالة الشك والتردد والحيرة، كما لا على حالة الجزم المطلق وأنّ ما وصل إليه هو كلّ شيء. والطرف المقابل يذعن بالوصول النسبي إلّا أنه يأخذ نتيجة مناقضة، وهي حالة التردد والشك التي لا تنسجم إلّا مع فرض التناقض لا مع الوصول النسبي، وإلّا فهو لا ينسجم مع عدم الجزم بتاتاً وعدم التوقير وعدم الحرمة لفكر أو اتجاه. [١]
التردد مع وجود الدليل وكذا الرفض من دون دليل غير منهجي
وقد ألفت الأئمة (عليهم السلام) إلى ما ذكرناه، حيث ورد: «لا تَجْعَلُوا عِلْمَكُمْ جَهْلًا وَ يَقِينَكُمْ شَكّاً» [٢] وهو عبارة عن أنّ التردد [والذي قد يصل
[١] . ما ذكرتموه صحيح بالنسبة إلى عدم الجزم المطلق الذي هو سفسطة مبطنة، ولكن ذلك الطرف يدعو على ضوء نظريته وإشكالاته إلى عدم إلغاء الآخر بالتفسيق والتكفير والتسخيف، لأنّ كلّ الإتجاهات الأخرى صحيحة نسبية، نظير ما هو موجود في العلوم التجريبية. وقد أقررتم ذلك حيث منعتم من الإنكار، وإن ذيّلتموه بقولكم من دون دليل، فهل مع الدليل يعني أنّ الفكرة أخرى مناقضة، فالإتجاه السني بكلّ حيثياته- مثلًا- يعدّ مناقضاً للإتجاه الشيعي، ومثله الإتجاه الإلحادي مع الإتجاه الديني، والإتجاه الإسلامي مع غيره من الإتجاهات، فإنّ في هذا وأمثاله نحن ننكر ما يتبناه الطرف الآخر ومع الدليل أو بلا دليل، وهل حينئذ مناقضة أو لا؟ ومع مناقضتها فكيف كانت غالب الإختلافات ليست بنحو المناقضة؟ [المقرر]
[٢] . المجلسي، بحار الأنوار ٢/ ٣٦ (كتاب العلم، الباب ٩: استعمال العلم، والإخلاص في طلبه وتشديد الأمر على العالم، الحديث ٤١، عن أميرالمؤمنين (ع)).