سند الأصول، بحوث في أصول القانون و مباني الأدلة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٧٧ - نتائج تلك المؤاخذات
المؤاخذة السادسة: واحدة من أسباب تولّد الضروريات والمتواترات أن يصوغ مفكّرٌ نظريةً ذاتَ أسس ضعيفة، ولكنّه لقوة شخصيته وهيمنته توحي لمعاصريه بمتابعته بل والدفاع عنه أحياناً، وتأتي الطبقة الثانية وتذعن إجلالًا وإكباراً من دون أن تتعمق في هذه النظرية. ويزيد في النظرية رسوخاً وانتشاراً أنّ العامة في كلّ طبقة تتبع علماءها، وهكذا حتى تأخذ هذه النظرية طابع المسلّمات وتتجذّر في النفوس خاصة في الطبقات اللاحقة وبعد مرور عشرات السنين فضلًا عن المئات منها، حتى تصل الحالة إلى حدّ لا يلتفت إليها أحد تفصيلًا، وإنما يتم التعامل معها ارتكازاً، ولو التفت أحد وأخذ يفكّر فإنه يواجه كونها مسلّمة ضرورية.
ومع هذا كيف يمكن الحكم بأنّ كلّ الضروريات صائبة؟ وكيف يمكن قبول مسلّمات وهي في بدء وجودها خاطئة؟
من كلّ ما تقدّم يتلخّص: أن لا رأي يمثّل الحقيقة على إطلاقها، وأن لا ثبات في الفهم البشري، وبالتالي لا قداسة لرأي، ولا خطوط حمراء يحظر تجاوزها، وإنما كلّ شيء يمكن نقده وإعادة التفكير به وتطويره وتجديده.
نتائج تلك المؤاخذات
وفي الختام أنّ النتائج التي يَتَوَخّونها من هذه المؤاخذات يمكن تلخيصها ضمن:
[١] وجوب حذف فكرة التخطئة والتناقض والتدافع من قاموس الفكر البشري.
[٢] كلّ ما توصل إليه الإنسان متغيّر، ولا معنى للثبات بعد أن كان قابلًا للتغيير زيادة ونقيصة، بل التخطئة من رأس. ومن ثمّ لابدّ أن لا يحصل يقين وإذعان و إخبات وإنما كلّ ما هو منهجي هو إبداء احتمالات وتصورات، ولا يخفى أنّ هذا نوع من السفسطة وإن نفوا عن أنفسهم ذلك.