سند الأصول، بحوث في أصول القانون و مباني الأدلة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٧٣ - تأثير الجوّ الذهني على فهم النص
المؤاخذة الأولى: [والتي سجّلها المحدّثون بقوة في البحث الأدبي] هي عين الملاحظة الأولى للقمي ولكن بصياغة جديدة مع تعميق، مع الإلتفات إلى أنّ بعض الأعلام قد استشكل في جريان أصالة عدم النقل (الإستصحاب القهقري) لقناعته بوجاهة هذه الملاحظة.
وحاصل هذه المؤاخذة: أنّ هناك عوامل عديدة جداً توجب نحت المعنى وتغيير معاني أصل اللسان الواحد بالزيادة والنقيصة، بل ربما تأتي على جذر المعنى وتستبدله بمعنى آخر. وخلفية هذه العوامل هي الرسوبات الإجتماعية والحضارات المتعددة التي تتناوب على اللغة الواحدة، فالمجتمع الذي تطغى عليه حماسة الحرب تتأثر بها لغة ذلك المجتمع، فتنصرف إلى معاني تتناسب وثقافة الحرب، والخلق الذي يسود بيئة تتداعى المعاني المناسبة له من لغة أهل تلك البيئة، وهكذا كلّ الظروف السياسية والإجتماعية والثقافية والصحية كلّها تلقي بظلالها على اللغة فتنصرف إلى ما يناسب الجوّ العام لأهل تلك اللغة.
ويزيد المشكلة تعقيداً أنّ الإنسان إذا استعمل اللفظ في مصداق المعنى الكلّي، يتداعى ذلك المصداق بعدئذ، وقد ينتقل إلى مصداق آخر ومنه إلى معنى كلّي آخر. فمع مثل هذا الكمّ الهائل من الظروف المتنوعة المتغيرة وبشكل سريع التي مرّ بها المجتمع الإسلامي تتبدل اللغة حتماً من معنى إلى آخر، ومن ثمّ يشكل مانعاً من قراءة النص الديني على ما هو عليه، وسيكون كلّ تفسير وقراءة ليس سوى فهم يتناسب مع جوّ القارئ المحيط به ليس أكثر، ومن هنا لا يمكن جريان أصالة عدم النقل لإثبات أنّ ما وصلنا إليه هو ما فهمه المعاصرون للنص، وهو المراد الواقعي للمتكلّم.
ويعزّز ما ذكرنا ما يلحظ من اختلاف فهم التركيب الواحد من بلد إلى آخر المعبّر عن تأثير البيئة في فهم اللفظ.
تأثير الجوّ الذهني على فهم النص