سند الأصول، بحوث في أصول القانون و مباني الأدلة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٠٠ - افتراق نهج القرآن عن نهج المحاورات العرفية
وتخطئتها جميعاً لعدم انسجامها مع إعجاز القرآن وبلاغته وعربيته، بل سمّيت العربية بالعربية لظهورها، فكيف وقد وصفت عربية القرآن بالمبين.
ومن ثمّ استقرّ رأيه (قدس سره) على أنّ المتشابه ليس في مجال الألفاظ ودلالتها على معانيها، وإنما في الإنتقال من معنى إلى آخر، المسبب عن انصراف أذهاننا عن المعاني الشامخة الرفيعة إلى خصوص المصاديق المادية [لألفة الذهن لها وأنسه بها.]
وبعبارة أوضح: أنّ سرّ التشابه هو الغفلة عن وضع الألفاظ لروح المعاني، الذي ألفت إليه الآخوند مقتبساً إياه من الروايات، من قبيل إنّ الله «سَمِيعٌ بِغَيْرِ جَارِحَةٍ» [١] الدالّة على انطباق السمع على المجرد، الكاشف عن عدم اختصاصه- بالوضع- بالمصداق المادي، فتفطن الآخوند إلى أنّ اللفظ لم يوضع للمعنى المضيق بفرده المادي، وإنما للمعنى بما هو هو الشامل للمصداق المادي و المجرد.
والخطأ الذي يقع فيه الإنسان هو في تطبيقه المعنى على الفرد المادي انطلاقاً من رواسبه الذهنية وأُلفته لعالم المادة.
افتراق نهج القرآن عن نهج المحاورات العرفية
وسرّ آخر للتشابه هو تصنيف القرآن في الكلام والمحاورات العرفية، مع أنّ نهج القرآن يختلف عن نهج المحاورات العرفية الأخرى؛ فإنّ نهج القرآن هو عدم إمكان الوصول إلى المراد الجدي لآية إلّا بعد ملاحظة كلّ الآيات التي تتعرض لموضوع الآية أو لمفردة منها، سواء كانت بنفس اللفظ أم بلفظ آخر، لأنّ القرآن جامع لكلّ العلوم ويخاطب كلّ المستويات ويعالج كلّ المشكلات، ممّا أوجب اختلافه عن سائر المحاورات التي يمكن معرفة المراد الجدي فيها من دون حاجة لمراجعة القرائن المنفصلة.
[١] . الكليني، الكافي ١/ ٨٣ (كتاب التوحيد، الباب ٢: باب إطلاق القول بأنه شيء، الحديث ٦: عن أبي عبد الله (ع)).