سند الأصول، بحوث في أصول القانون و مباني الأدلة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٤٨ - شواهد دالّة على إمضاء الكبرى
العقلاء في قول اللغوي هي حيثية الخبروية فقط، وإلّا لم يكن معنى للسؤال إذا كان اعتمادهم لخبرويته وشيء آخر.
شواهد دالّة على إمضاء الكبرى
محققو الأصول المتأخرون ألفتوا إلى عدّة شواهد تدلّ على إمضاء الكبرى:
الشاهد الأول: إنّ اعتبار الصغرى للعقلاء لم يكن إلّا لصغرويتها لكبراهم، فالإمضاء لها لم يكن إلّا لنفس الحيثية، وهو يعني إمضاء الكبرى.
الشاهد الثاني: ليس شرط الإمضاء الشرعي للقانون العقلائي معاصرته للمعصوم مع اتصاله وتماسّه مع الشرعيات، إذ يكفي في استكشاف الإمضاء والرادعية كونه في معرض الإتصال بالشرعيات ولو في غير زمن المعصوم؛ لأنّ مهمة المعصوم (ع) ليست منحصرة بمعالجة خصوص القوانين المتصلة بقوانينه المعاصرة له، وإنما تعمّ ما كان مؤهّلًا وقابلًا لذلك ولو في غير عصره، ومن ثمّ فعدم ردعه كاشف عن الإمضاء.
الشاهد الثالث: نلاحظ أنّ الأعلام بنوا على إمضاء الشارع لقوانين لم تكن في عصره متصلة بالشرعيات من خلال عدم ردعه، ولم يكن ذلك إلّا لكونها في معرض الإتصال بالشرعيات.
الشاهد الرابع: إنّ الشريعة [في بُعدها الفقهي والأصولي] استوعبت كلّ أفعال المكلّف [على تنوعها واختلافها] وواحدة من أفعاله تشريعاتُه القانونية، فلابدّ أن يكون للشارع فيها نظر، إنْ بالقبول وإنْ بالردع. وواضح أنّ تقنينات العقلاء إن كانت شريعة في قبال شريعة الدين فهي مردوع عنها، كذا إن كانت تُصادِم التشريع الديني فهي مردوع عنها، وأمّا إذا لم تكن كذلك فإمضاؤه لصغرى [كالفتوى وقول اللغوي] إمضاء للكبرى. [١]
[١] . [س] يلاحظ على الشاهد الأول أنّ إمضاء الصغرى وان كان إمضاءً للكبرى إلّا أنه لا يدلّ إلّا على إمضاء النكتة الكبروية جزئياً في خصوص هذه الصغرى، وأمّا الباقي فمسكوت عنه، وهو كاف في عدم الإمضاء، أو نقول: إنّ عدم ردعه كاشف عن الإمضاء كما هو الظاهر من كلّ الشواهد، ولكنّه أول الكلام، إذ عدم الردع إنما يكشف عن الإمضاء حينما كان متصلًا بالشارع في زمانه، وأمّا ما لم يكن كذلك فلا دلالة لعدم الردع على الإمضاء، والإمضاء الجزئي لا يدلّ على الإمضاء للكلّي ما لم ينضم إليه عدم الردع.
وبعبارة أخرى: إنّنا نقبل أنّ إمضاء الكلّي إمضاء لكلّ جزئياته حتى المستجدة. ونقبل إمكانية إمضاء الكلّ مباشرة باللفظ، بأخذه موضوعاً للإمضاء، ولكن الكلّي حيث لا وجود له إلّا بوجود مصاديقه، فلا يتصور إمضاؤه المباشر بالسكوت والتقرير وعدم الردع، وإنما يتمّ ذلك- لو تم- من خلال المصاديق، فأهل الخبرة لا وجود له إلّا في اللغوي والمفتي والمنجّم و غيرهم هذا أولًا.
وثانياً: في إمضاء المصداق بالتقرير وعدم الردع فهو غاية ما يكشف عن إمضاء الكلّي المتشخص فيه، فإمضاء قول اللغوي يكشف عن إمضاء الخبير اللغوي وأمّا مطلقاً خاصة ما لم يكن، وإنما يستجدّ، فالسكوت دليل لبي كالإجماع لا إطلاق فيه فيؤخذ بالمتيقن وهو الجزئي.
وثالثاً: مع فرض الردع عن صغرى من صغريات أهل الخبرة مثلًا لِمَ كان هذا هو الإستثناء، ولِمَ لا نقول: إنّ ردع الصغرى ردع للكبرى، وبالتالي إمضاء الصغرى الأُخرى يكون تخصيصاً واستثناءً؟
[ج] لابد من النظر إلى قانون العقلاء كشريعة وهرم متكامل، لم يترك شيئاً إلّا واعتبر فيه ومن ثمّ لا معنى للتعامل مع قانون من قوانين هذه الشريعة بطريقة اقتطاعية تجزيئية.
فالشارع حينما يتعامل مع قانون ما يتعامل مع الشريعة القانونية، لأنّ واقع هذا القانون هو أنه بعض من كلّ متكامل ومترابط، حينئذ إذا كانت ماهية الجزئي من قبيل الموضوع المستنبط للكبرى، فهو وإن كان بحاجة إلى جعل التقنين إلّا أنه ليس مبتدءاً، لأنّ التقنين نال الكلّي أولًا وهذه من تطبيقاته، ومن ثمّ ذكر الفقهاء خطأ التعامل مع روايات إحياء الموات وحدها و تطبيقها قبل إرجاعها إلى كبرياتها، وإلّا أدّى ذلك إلى استغلال شخص لأراضي مدينة كاملة جراء إمكاناته. فالمنهجي دراسة القوانين الجزئية بعد إرجاعها إلى كبرياتها التي تنزلّت عنها وتعدّ تفصيلًا لها.
وفي إمضائه أيضاً لا معنى لتجريده عن كليه، وإلّا لم ننظر إليه بعد أن كان واقعه الكلّي إلّا مع التصريح بذلك، وبدونه مع فرض مخاطبة الشارع للعقلاء بلغتهم وهو يعلم أنهم يفهمون أنّ هذا الجزئي وذاك واحد في الماهية القانونية، فإمضاء هذا يفهموه إمضاء لذاك أيضاً، كان إمضاء الشارع للجزئي كاشفاً عن إمضاء الكلّي.