سند الأصول، بحوث في أصول القانون و مباني الأدلة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١١٩ - المقصود من البيان
فعلي تام كي يكون منجّزاً؛ لأنّ الفعلي التام مقيد شرعاً بعدم الجهل التصديقي تقصيراً، فمع العلم التصوري لم يتحقق القيد، فلم يكن الحكم فعلياً تاماً. وهذا التصوير لا يلزم منه التصويب بعد أن كان ملاك الواقع على ما هو عليه من دون أيّ تصرف فيه.
الجمع بين إدراك العقل للبراء وإدراكه لمنجّزية الإحتمال
وأمّا البراءة العقلية فهي تواجه إشكالًا عويصاً أشار إليه الأعلام في آخر بحث البراءة، وأشرنا إليه في التساؤلات، وهو أنه كيف نفسّر إدراك العقل للبراءة وقبح العقاب مع إدراكه لمنجّزية الإحتمال واستحقاق العقوبة معه ووجوب دفع الضرر المحتمل؟
المقصود من البيان
وقد تصدّى الأعلام [ابتداءً من الشيخ] للإجابة عن هذا الإشكال، فكانت النتيجة أجوبة متعددة إلّا أنّ عمدتها هو: أنّ المقصود من البيان ليس مطلق العلم حتى التصوري الإحتمالي بعد الفحص، وإنما ما تبانى عليه العقلاء وسيلة للتفهيم والتفاهم، وهو العلم التصديقي النوعي الموضوع في أيدي عموم الناس بحيث يمكنهم تحصيله. فالعلم التصوري ليس بياناً، وكذلك العلم التصديقي الذي لا يتمّ الحصول عليه بالفحص ليس بياناً، ومن ثمّ فلو فحص عن العلم التصديقي بالنحو المتعارف ولم يحصل عليه كان بلا بيان، فيقبح معاقبته وإن حصل له علم تصوري.
ولو دقّقنا في هذه الإجابة لوجدنا أنها تحلّل القاعدة إلى قضيتين، عقلية مترتبة على قضية عقلائية. العقلية هي قبح العقاب بلا حكم إلزامي موجود، والعقلائية هي أنّ إلزامية الحكم [فعليته التامّة] مقيدة بالعلم التصديقي الموضوع في أيدي عموم الناس. ونسبة هذه القاعدة إلى الإحتمال المنجّز كنسبة البراءة الشرعية إلى الإحتمال المذكور، بل إنّ البراءة الشرعية إمضاء لما بنى عليه العقلاء. ومع هذا لا تتدافع البراءة مع وجوب دفع الضرر المحتمل؛ إذ لا ضرر