سند الأصول، بحوث في أصول القانون و مباني الأدلة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٥٦ - مناط الإمضاء الشرعي للإعتبار العقلائي
الزاوية السادسة: تغيّر الحكم وثباته بلحاظ الدرجة الإحرازية للحكم؛ فإذا كانت ظنية كالظهور كان قابلًا للتبدل، وإذا كانت قطعية بحسب الدليل المحرز في نفسه لا بحسب وقوع الإختلاف فيه لم يكن قابلًا للتبدل.
وبعبارة أخرى: إنّ موضوع الحرمة هل هو الذي أخذ في لسان الدليل وهو الربا [ومن ثمّ تكون حرمته ثابتة في كلّ زمان ومكان] أو الموضوع عدم استئصال رؤوس الأموال الضعيفة، أو إضعاف رأس مال المسلمين [أعم من بيت المال أو الأموال الخاصة] وهو كان ينطبق على الربا آنذاك [بعد أن كانت العملة بيد غيرهم ولم يكن الإقتصاد مقنَّناً]، وأمّا اليوم فالربويات ليس فيها إضعاف لرأس مال المسلمين، حيث صار الإقتصاد مقنَّناً ومنضبطاً ومغلقاً، فيبقى الحرام ما كان فيه إضعاف لا الربا السائد آنذاك.
ومثله دية العاقلة، فهل هي حكم شرعي في نفسها، أو أنّ الحكم الشرعي هو عقد ضمان الجريرة الذي كان أحد مصاديقه ضمان العشيرة، وأمّا الآن وبعد تفكك العلاقة الأسَرية، فلا تكون العشيرة مصداقاً للحكم الكلّي؟
مناط الإمضاء الشرعي للإعتبار العقلائي
لابدّ من الإلتفات [قبل الدخول في بحث الزاوية الخامسة] إلى أنّ القضية العقلائية الممضاة لا يلزم دوماً أن تكون صغرى لكبرى [وإن ذكرنا أنّ الإعتبار العقلائي يكون في الرتبة الثالثة- حسب التسلسل الطبعي بين العقل والشرع والعقلاء- وبالتالي فهو تطبيق للشرع، كما أنّ الشرع تطبيق بالنسبة إلى العقل]؛ وذلك لما ذكرناه من أنّ لفيفاً من العقلاء لم يتقيد بالدين، ومن ثمّ اضطروا إلى تقنين مجموعة من القوانين يملأ بها المساحة الخاصة بالشرع، والشرع لم يلغ كلّ هذه الإعتبارات [بأن يؤسّس شيئاً جديداً] وإنما نظمها