سند الأصول، بحوث في أصول القانون و مباني الأدلة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٧٥ - تفسير ظاهرة الإختلاف
تأثير اختلاف الآراء في فهم النص
المؤاخذة الرابعة: من الظواهر البارزة في العلوم الدينية ظاهرة الإختلاف ابتداءً بعلوم العقيدة من الكلام والفلسفة والعرفان ومروراً بالتفسير والأخلاق والحديث وانتهاء بعلوم الفقه من أصول وفقه ودراية ورجال. وهذه الإختلافات تبدأ من الإختلاف المنهجي وتنتهي بأدق التفاصيل، فيلاحظ مثلًا أنّ موسوعة البحار محاولة تفسيرية لكلام المعصوم (ع) في كلّ المعارف الدينية بمنهج كلامي، في حين تجد أنّ الأحسائي يشرح معارف المعصوم بلغة عرفانية، ويأتي ثالث ويتناولها بلغة فلسفية كملّا صدرا في أسفاره وشرح أصول الكافي.
ولم يقف الإختلاف حتى وصل إلى ساحة مسألة الحكومة الإسلامية في عصر الغيبة، فاختلف فيها بين رافض بالكلّية وبين من يراها ضرورة، كما اختلف في صيغتها وتفاصيلها.
تفسير ظاهرة الإختلاف
وفي الحقيقة أنّ هذه الظاهرة مشهورة من القديم إلى يومنا هذا، ولا يختلف عليها اثنان، ومن ثمّ لا تحتاج إلى مزيد من الأمثلة. فالإختلاف هو الذي أوصل الإنسان إلى السفسطة والإلحاد، أو أرسله إلى الغلو أو إلى التوحيد بمراتبه. ومن ثمّ لا يخلو الحال: إمّا أن تكون الآراء المختلفة في القضية الواحدة حقاً فيلزم أن تكون الشريعة متعدّدة ولا معنى للتخطئة حينئذ، وإمّا أن يكون واحد منها حقاً والباقي خطأً فالأفهام تيه وضياع، وإمّا أن تكون معبّرة عن حالة تكاملية متطورة وأنّ كلّ رأي لا يعني أنه آخر أفق الواقع، وإنما هو اكتشاف لجزء من الحقيقة [يكمله ويطوّره الرأي الآخر] وحينئذ لا قداسة لرأي ولا مبرّر لإلغاء الآخرين وحذفهم. وعدمُ إمكان الجمع بين المختلفات لا يدلّ على تقاطعها سلباً، حيث يمكن للعلم أن يتطوّر فيجمع ويلائم بينها.
والإحتمال الأخير هو الحق؛ لأنّ التناقض ينشأ من نظر المتابع