سند الأصول، بحوث في أصول القانون و مباني الأدلة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣٧٨ - الشك في التدليس على الثقة
الشك في التدليس على الثقة
وهناك شك ثالث لا يعالج إلّا بالعلم [بعد أن لم يؤمّنه حجّية الخبر ولا أصالة عدم الإشتباه] وهو الشك في التدليس على الثقة، فإنّ السند [المذكور في روايةٍ مّا] صحيح على شرط أن يكون سنداً حقيقياً لا منتحلًا ومجعولًا، وهو ما لا نعلمه؛ إذ قد يكون هناك مَن جعل هذا السند بهذه الأسماء تمامها أو بعضها. ومثل هذا الشك لا سبيل إلى نفيه تعبّداً، وإنما ينتفي بالعلم بعدم التدليس.
فكلّ خبر لا يمكن العمل به ما لم نعلم مسبقاً أنه خبر ثقة؛ إذ يمكن أن يكون مجعولًا باسمه. وهذا هو الذي يظهر من كلمات السيّد، لا أنّ الخبر لا يمكن العمل به ما لم نعلم بصدوره، بل يريد أن يقول: إنّ الخبر لا يمكن العمل به ما لم نعلم أنه خبر ثقة وصغرى لكبرى حجّية خبر الثقة.
وعند مراجعة كلمات الشيخ الطوسي في العدّة نجد أنه يقبل هذه الإلفاتة حيث قال: «بل اعتمادنا على العمل الصادر من جهتهم وارتفاع النزاع فيما بينهم» فإنّ هذه العبارة تعني أنّ الخبر حتى لو كان حجّة [كما هو كذلك] وكان صحيحاً أعلائياً صورةً، لا يمكن العمل به لوحده ما لم نعلم أنه حقاً صحيح، أي ما لم ننقح الصغرى أولًا بالوجدان كي نطبّق الكبرى التعبدية.
بالإضافة إلى أنّ واحدةً من موجبات العلم بعدم التدليس العلمُ بوثاقة صاحب الكتاب الروائي الذي يبدأ منه السند وضبطه على درجة عالية وليس هذا لأجل إحراز وثاقته وعدم كذبه، إذ يمكن أن يثبت ذلك بالظن المعتبر، وإنما لأنّ مقتضى العلم ثبوت هذه الأوصاف العالية له تحرزه في كتابه عن التدليس.
والجدير بالإلتفات إنّ هذه الشبهة غير شبهة العلم الإجمالي بالدس في بعض الروايات؛ لأنّ المطروح هنا هو الشك المجرد فقط [وسنعالج كلتا الشبهتين في التنبيهات، وسنرى أنّ بعض ما ذكره من علاج لشبهة العلم الإجمالي يصلح علاجاً لشبهة الشك المجرد.]