سند الأصول، بحوث في أصول القانون و مباني الأدلة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٦ - النقطة الثانية وجه الحاجة إلى الإعتبار العقلائي وموقعه من التشريع والعقل
هذا وقد تعددت التسميات للإعتبار العقلائي كالسيرة العقلائية، والبناء العقلائي، والإرتكاز العقلائي، أو العرفي، وحكم العقلاء، إلّا أنها جميعاً تشير بالإلتزام إلى حقيقة واحدة وهي الإعتبار العقلائي، وإن كانت مطابقة تحكي صفة عرضية له وهي الإعتياد والتجذر والسلوك.
ومن ثمّ ذكرنا أنّ بحث الأصوليين لم يتناول الإعتبار مباشرة، بل يبحث عن كنهه و حقيقته من خلال أعراضه. ومن البديهي أنّ البحث عن كنه الشيء مباشرة أجدر من البحث عنه بواسطة أعراضه. وعلى هذا الأساس كان هذا واحداً من العوامل التي جعلتنا نعنون البحث بالإعتبار، ونبحث في صلبه ومتنه مباشرة بدلًا من البحث عن السيرة والإرتكاز.
النقطة الثانية: وجه الحاجة إلى الإعتبار العقلائي وموقعه من التشريع والعقل
فقد يتساءل: إنّ ظاهرة النبوة رافقت البشرية من بداية وجودها، وإنّ العقل الإنساني بعد أن وجد نفسه عاجزاً عن إدراك ملاكات الأفعال وكمالاتها [عدا البديهيات العامة منها] يحكم بضرورة الرجوع إلى العقل الكلّي المحيط، ومع هذا كيف وجد الإعتبار العقلائي مجالًا لنفسه؟
ثم إنّ دور الإعتبار الشرعي هل يتلخص في تكميل الإعتبار العقلائي وترميمه، أو أنه تأسيسي؟
والجواب: من الواضح أنّ البشرية جميعاً لم يتابعوا الأنبياء فكانوا [بحكم ضرورة الإعتبار والحاجة إليه] بحاجة إلى قانون هم يضعوه يلبّي حاجاتهم ويسدّ الفراغ في مجتمعاتهم، ومن هنا لم يكن كلّ الموروث البشري من القانون المشترك موروثاً دينياً.
و بتعبير آخر: إنّ البشرية وجدت وهي تحمل رسول الباطن [أي العقل] وهو قادر على إدراك الكلّيات من العقل النظري والعملي، وعلى ضوء هذا الإدراك تتحرك إرادته.