سند الأصول، بحوث في أصول القانون و مباني الأدلة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٤٤ - جريان سيرة العقلاء على العمل بالإطمئنان الشخصي وتحليل هذه السيرة
وفي الواقع أنّ الدعوى الثالثة حصل فيها خلط، حيث إنّ صاحب الطرح أحسّ أنّ القيمة ليست للظهور بما هو ظهور، وإنما من جهة ما يستبطنه من إفادته الإطمئنان.
وهذا الإحساس صحيح جداً، ولكنّه ليس الإطمئنان الشخصي، وإنما النوعي لما ذكرناه من أنّ الشخصي لا يصلح لغة مشتركة يحتجّ بها أحدهم الآخر، ويجعلها وسيلة لنقل مقاصده إلى الآخرين، وإنما خصوص ما كان من نوع المنشأ لنوع العقلاء.
ولا يخفى خطورة الأطروحة الثالثة، فإنّ النزاع وإن كان بدواً بين الشخصية والنوعية، ولكنّه تترتب عليه آثار خطيرة؛ حيث إنّ البناء على أنّ الظهور الحجّة هو الذي يفيد الإطمئنان أو العلم الشخصي، يجرّنا إلى تجميد كثير من المعالجات الظهورية الدلالية، كتقديم الأظهر على الظاهر وانقلاب النسبة وحمل المطلق على المقيد وغيرها الكثير، فإنّها مع عدم توليدها العلم الشخصي لابدّ من عدم قبولها.
حجّية الإطمئنان النوعي
وممّا تقدم يعرف الخلل في الأطروحة الأولى، حيث ظهر أنّ الإطمئنان غير العلم، وبحاجة إلى مشاركة العقلاء واعتبارهم حجّيته حتى يصلح للمحاجّة.
والنتيجة: إنّ الإطمئنان النوعي هو الحجّة، وأنّ الخبر والظهور وسائر الحجج هي في طوله لا في عرضه، مصاديق لا مباينات له.
ومن هنا وعلى ضوء ما انتهينا إليه سيكون لنا عناية في بحث الحجج في استنطاق أدلّتها لفهم حجّية كبرى الإطمئنان العقلائي، علاوة على دلالتها على حجّية المورد والمصداق.
جريان سيرة العقلاء على العمل بالإطمئنان الشخصي وتحليل هذه السيرة
إن قلت: إنّ آحاد العقلاء لا يجرون على العمل بالإطمئنان ما لم يصل درجة الشخصية، ومجرد نوعيته لا يكفي في العمل به، فنحن