سند الأصول، بحوث في أصول القانون و مباني الأدلة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٠٩ - ملاحظات على الصياغة العرفانية
المستمرة باستمرار البشرية. [١]
وإذا تصفّحنا- مع تأمل- آيات الكتاب العزيز لوجدنا أنها تشير وبوضوح إلى كلتا النقطتين:
الأولى: حقيقة القرآن ومراتبه ودرجاته التي أعلاها أمّ الكتاب.
الثانية: إنّ كلّ ما يمكن تنزّله من المراتب قد تنزّل في ألفاظ المصحف الشريف على محدودية ألفاظه.
فقد وصفها القرآن في القرآن بأنه (أُمُّ الْكِتابِ) [٢] و (فِي لَوْحٍ
[١] . [س] حروف العربية وإن كانت محدودة، والمفردات ا لمستعملة وان كانت محدودة، ولكن تبقى دائرتها أوسع بكثير من اللفظ القرآني بالبداهة والوجدان، ومن هنا يمكن أن يدّعي المستشكل أنّ اللفظ والتراكيب القرآنية لا تستوعب كلّ ما يمكن تنزله لمحدوديتها بالقياس إلى ما يمكن تركيبه من الحروف ومفردات اللغة، ومن ثمّ نتيجة تطور وتكامل البشر هناك درجات نازلة مستجدة لا تعبّر عنها الصياغة القرآنية، فلابد من صياغات جديدة، وليس هو بصدد نفي درجات القرآن وأم الكتاب، وأنما إشكاليته منصبة على الوجود اللفظي للقرآن، وعدم شموليته لما تنزل من الكمالات؟
[ج] أولًا: لابدّ من الإلفات إلى نكتة ظريفة ألفت إليها الفلاسفة وهي أنّ المادة لا تستوعب اللّامحدود بشكل دفعي، وأمّا بشكل تدريجي فيمكنها استيعابه.
ثانياً: أننا إذا جرّدنا المعاني عن مصاديقها المادية وتمسكنا بنظرية روح المعاني، أمكن لهذه المعاني على محدوديتها أن تغطي كلّ المستجدات على كثرتها وعدم وقوفها عند حدّ، بل ذكر الفلاسفة أنّ المجردات لا تزداد ولا تنقص، وإنما هي ثابتة على حدّ، فالزيادة والجدة دوماً في المصاديق لا في المعاني الكلّية، وهي مهما كثرت وتغيّرت وتبدّلت تبقى مصاديق لتلك الكلّيات، من دون حاجة إلى استحداث ألفاظ جديدة بمعان جديدة، بل لا يمكن. نعم، الأعلام الشخصية هي التي تزداد، لأنّ ما يوجد منها لا يغطي تلك المصاديق.
ويحدّد العلم أنّ هناك نزاعاً حاداً بين أُدباء اللغة في تغطية اللغة القديمة لما استجد من موضوعات وآلات وظواهر ونمط معيشة ومدنية وعدم تغطيتها، وبالتالي لابدّ من استحداث ألفاظ جديدة بتراكيب جديدة تعبّر عن هذه المستجدات. وقد جنحت الكثرة الكاثرة منهم إلى كفاية اللغة القديمة لتغطية كلّ المستجدات لأنها لا تعدد المصاديق، ولكن شريطة تدخل وتوسط الأخصائيين في تصنيف المصاديق تحت كلّياتها. كلّ ذلك بسبب أنّ الألفاظ قد وضعت للمعاني لا للمصاديق، والمعاني الكلّية ثابتة في عددها لتجردها لا تزداد ولا تنقص.
[٢] . آل عمران/ ٧ والرعد/ ٣٩ والزخرف/ ٤