شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٥٥٧ - المقام السادس في الميزان و كيفيته
و أما إذا كان الوزن بأحد الوجوه الثلاثة الأخر، فذلك في الميزان المعقول، الّذي يعرف به الاعتقادات الصحيحة و الباطلة، مما لا خفاء فيه؛ و أمّا في الميزان الجسمي- الّذي يوزن به الأقوال و الأفعال، و النّفسي الّذي يوزن به الأخلاق، فممّا استعضل، و إنه لحقيق بأن يعد من الدّاء المعضل. و الّذي يمكنني أن أكشف به القناع عن وجوه خرائد [١] أسراره بالاطلاع: هو أنّ للأنوار الإلهية و الحقائق اللاهوتية أنواعا من التنزّلات و أنحاء من التجلّيات: أحدها، في مرايا الحقائق و الأعيان و الصفات و الثاني، في كسوة الكلمات التامّات و الألفاظ و العبارات و الثالث، في مجالي الأخلاق و الأعمال و المقامات. و هذه التنزّلات في العوالم الوجوديّة بعضها على محاذاة بعض في الرتب الشهوديّة ففي العالم الكوني هي هذه الأشخاص و تلك الأوصاف و الأخلاق و هذه الحركات و السكنات، و في العالم العرشي لكلّ من هذه ملكوت هو باطنها و ربّ نوعها و مدبّر شئونها، و في العالم النفسي حقيقة روحية هي روحها التي منها فتوحها، و في العالم العقليّ هو حقيقته الصّرفة و ذاته النوريّة و مثاله العقلي و نوره الربوبي و بالجملة، فللصلاة مثلا حقيقة ربوبيّة في العالم الأسماء الإلهية هي التي أخبر جبرئيل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله: «بأنّ ربّك يصلّي و يقول سبّوح قدّوس ربّ الملائكة و الرّوح»، و في العالم الروحي حقيقة نورية هي التي صلّاها الرسول مع صفوف الأرواح في معراجه، و في العرش حقيقة مثالية تراها الملائكة حين يصلّي المؤمن في هذه النشأة الدنياويّة، و في النشأة العنصرية صورة دنيوية هي هذه الصلاة المفروضة، و قس على ذلك كلّ عمل صالح و كلمة طيّبة.
و الحقائق التي فوق هذه النشأة العنصريّة كلّها حقائق متأصّلة متقرّرة نورانية و في مقابلتها حقائق ظلمانيّة كدرة معدنها الجهل في مقابلة العقل. و لا شك أنّ العالم
[١] . خرائد: جمع خريدة: اللؤلؤة التي لم تثقب، الأبكار.