شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٤٦٥ - كلام في مكارم الأخلاق و المواعظ و إشارة الى الموت
و أمّا القياس الثاني، فهو انّ الإنسان حبّة، و كلّ حبّة لها آكل، فالإنسان له آكل. و قد مضى بيان الكبرى و أمّا الصّغرى فلأنّ المراد بالحبّة المعنى العام و لأنّه نبات لقوله تعالى: وَ اللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً [١] و بالجملة، الإنسان نبات سماويّ و اللطيفة الإلهية الّتي فيه انّما يسمّيها الحكيم «بذر الباري» تعالى [٢] فما يحصل من البذر انّما هي الحبّة، و تلك الحبّة إذا [٣] التقمها الموت و دفنت في الأرض و بقيت في باطن الأرض عند من لا يعزب عنه مثقال ذرّة [٤]، فحين البعث يمطر من السّماء مطرا شبه المني [٥] فيصير غذاء لتلك الحبّة، فينبت ثانيا للبقاء في الأرض المتبدّلة يشرب من كوثر البقاء و يحيى في الجنة المغروسة بيدي الرّب تعالى- رزقنا اللّه إيّاها- و يظهر باقي أحكام هذا القياس من القياس الأول.
و أمّا قوله عليه السلام: «لن ينجو من الموت»- الى آخره، فلذكر الأحوال العرفية من الغنى و الفاقه؛ و ذلك واضح بحمد اللّه.
أيّها النّاس من خاف ربّه كفّ ظلمه، و من لم يرع في كلامه أظهر هجره، و من لم يعرف الخير من الشّرّ فهو بمنزلة البهيم.
«الظلم» إمّا أن يكون مفعولا به لل «كفّ» أي كفّ ظلمه عن أن يصل الى الخلق، أو مفعولا بواسطة حرف محذوف أي كف نفسه عن الظلم. و الرب يلزمه التربية و الإصلاح و الثبات و الإقامة و التملك و اللّه تعالى باسمه «الرّبّ» أَحْسَنَ كُلَّ شَيْءٍ خَلَقَهُ و وضع كلّ شيء موضعه، سيّما خلق الإنسان في أحسن تقويم،
[١] . نوح: ١٧.
[٢] . مرّ سابقا.
[٣] . إذا: إذ م.
[٤] . مستفاد من آية ٦١ سورة يونس و ٣ سورة سبأ.
[٥] . إشارة الى الخبر المروي: «ان السّماء تمطر مطرا شبه المني تمخض به الأرض» الفتوحات ج ١، ص ٣١٢.