شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ١٣٣ - وجه انه لا أداة فيه تعالى
«الابتداء»، هو إيجاد الشيء الّذي ليس له أثر في الوجود بوجه من الوجوه. و انّ المبدأ الأوّل هو الذي ابتدأت منه الموجودات و انتهت إليه سلسلة المبتدئات و ذلك عن علم منه بها و إرادة دعت إليها. و حينئذ لا يمكن أن يكون شيء مبتدأ من الموجودات سببا لابتداء غيره، إذ كلّ ما فرض انّه ابتدأ من هذا المبتدأ فله صورة في علم الإله تعالى لا أنّ العلم بمعنى حصول الصّورة، إذ ما عند اللّه هي الحقائق المتأصّلة الباقية و كل ما في الكون فهي أشباح و أمثلة لتلك الصّور العالية ما عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَ ما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ [١] فإذا كان كذلك فما فرض انّه مبتدأ من ذلك المبتدأ فليس بمبتدإ. و لا ريب انّ الموجودات لها ابتداء فكلّها ابتدأت من البارى تعالى. نعم، إنّما المبادي العالية و العلل المتوسطة شأنها الإبداء و الإظهار و أين الابتداء من الإبداء مع أنّ الإبداء أيضا منه سبحانه على الحقيقة إذ الكلّ هالك دون وجهه الكريم و لا يملكون لأنفسهم نفعا و لا ضرّا و لا حياة و لا نشورا فكيف لغيرهم و هو المبدئ و المعيد و في هذا المقام قيل: «شئون يبديها لا شئون يبتديها» [٢] و من ذلك ظهر تحقيق المقام الثالث [٣].
[وجه انّه لا أداة فيه تعالى]
[١] . النحل: ٩٦.
[٢] . قال الزمخشري في الكشاف، ذيل تفسير «كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ» (الرحمن: ٢٩): عن عبد اللّه بن طاهر انه دعا الحسين بن الفضل (و هو حسين السرخسي البلخي المتوفي ٢٨٢ ه) و قال له: اشكلت عليّ ثلاث آيات ... و قوله تعالى: كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ و قد صحّ انّ القلم قد جفّ بما هو كائن إلى يوم القيامة ... فقال الحسين ... و أمّا قوله: «كل يوم ...» فانّها شئون يبديها لا شئون يبتديها» (الكشاف ٤/ ٤٤٨ و نقل الرازي في التفسير الكبير (٢٩/ ١٠٩) ما في الكشاف دون أن يذكر مأخذه.
[٣] . اذ لا منافاة بين الابتداء الّذي منه سبحانه و الإبداء الذي من شأن العلل المتوسطة.