شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٧١٧ - فصل
القدس غيثا مغيثا لإنشاء النشأة الآخرة و إنبات حقيقة الإنسان من أرض القابلية.
«فأمره جبرئيل بأن يخطّ برجله حيث أظلّت الغمامة» فانطبعت صورة بيت اللّه العقلي في العالم الأرضي و الخطّ بالرّجل لأجل وقوعه في العالم السّفلي «فخطّ مكان البيت» على المحاذاة الّتي يقتضيها الظّليّة و الصّنميّة، بحيث لم يشذّ من العالم النوري شيء إلّا و قد صوّره أحسن صورة «و خطّ الحرم بعده» حيث وصل نور الياقوتة الّتي سبق بيانها غير مرّة إشارة الى وصول فيض الإنسان الى سائر الأكوان و انّها استنارت بنور هذا الشأن، و لأجل هذا الخطّ الأولى الّذي بمنزلة العلم التصوّري جرت السنّة بأن يأتي المحرم أوّل مرّة الى البيت و يطوف به ثم يأتي المناسك الى أن يعود الى البيت أخيرا. «ثم انطلق به حتّى أتى منى» و هي أوّل المناسك لأنّ كلّ حركة مسبوقة بشوق طبيعيّ أو إرادي يتسبّب [١] عن تمنّي الوصول الى المقصد، و لا ريب انّ رؤية آثار الإجابة من تظليل الغمامة و تعيين موضع البيت من الكعبة و الأمر بالتطواف حول حريم العظمة يوجب تمنّي القربة و الزّلفة «فأراه موضع مسجد منى» دون أن يأمره بالعمل بما يوجب حصول المتمنّي، لأنّ أوّل ما يظهر في القلب الّذي هو بيت اللّه في طريق السلوك إليه هو التمنّي ثم يظهر ثانيا في الأسباب و الأعمال الموصلة إليه. «ثمّ أتيا [٢] العرفات» هذا شروع في العلم و هو أوّل خطوة من خطوات السّلوك لأنّ التوجّه الى السّبيل لا يتأتّى إلّا بالهرب عن المكان الّذي هو فيه و إلّا لم تتحقّق الحركة. فالاعتراف بالذنب- الّذي يلزم العبوديّة بل نفسها- أوّل المقامات الموجبة للتوجّه الى اللّه و الهرب عمّا كان صدر عنه من الخطاء المقتضي للبعد عن اللّه و اختيار الهبوط الى أرض الغربة لرفع [٣] القاذور و تحصيل الطّهارة عمّا كان فيه من ألواث دارا لغرور.
[١] . يتسبّب: متسبّب د.
[٢] . أي آدم و جبرئيل.
[٣] . لرفع: لدفع د ن.