شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٥٣٠ - المقام الثاني أما الاعتقاد الحق في مساءلة القبر
على النّار في ذلك الصّور غدوّا و عشيّا و لا يدخلونها لأنّهم محبوسون في ذلك القرن، و يوم القيامة يدخلون أشدّ العذاب و هو العذاب المحسوس لا المتخيل الّذي كان لهم في البرزخ.
و من الّذي قلنا، اتّضح أنّ «البرزخ» عبارة عن كون النفس حين ما فارقت هذا البدن العنصري متعلقة بالجسم الحقيقي النوري الخالص عن كدورات الغواشي العنصريّة و الكيفيّات المزاجيّة و هو ملكوت هذا البدن، كما أنّ كلّيته ملكوت عالم الأجسام و عرش الجسمانيّات، و هو عمله المتجسّد له في البرزخ، إذ النفس بحسب اختياراته المحمودة و المذمومة، انّما صنعت هذا الجسد البرزخي حيث غلب الماء العذب و الأجاج، أحدهما على الآخر، بحسب آرائها و أخلاقها و أفعالها و أقوالها، فهذا البدن عملها الذي لا يفارقها إذ هو الذي صنعته لنفسها و اختارته لرمسها [١]. و هذا العالم البرزخي هو القرن المحيط بجميع الصّور الكونيّة، و هو الصّور الملقم في فم إسرافيل من الملائكة، و هو عالم الخيال و المثال لكونه ممّا يدرك بالخيال لا بغيره من المدارك و المشاعر، لأنّه أمر خيالي فهو عالم موجود، و لذّاته و آلامه كلّها جسمانية حقيقية، لكن المدرك هو الخيال، و له السلطان في هذا المثال، فالمدرك في هذا العالم و إن كان هو الخيال، لكن المدرك (بالفتح) أعمّ من المحسوس و المتخيل و المعقول و ذلك لسعة الخيال و نوريته و كونه مظهرا للاسم النور حتى أنّ نوره ينفذ في كلّ شيء حتى المعدوم و المحال، فيلبسه لباس الوجود [٢].
و أمّا سعة القبر و ضيقه، فلعلّه على ما قلنا هو أنّ هذا الجسم الذي قلنا أنّه ملكوت هذه الأجسام و باطنها الذي ظهرت بهذه الصّور العنصريّة و السّماوية في
[١] . الرمس: القبر.
[٢] . الى هنا انتهى ما نقل من كلام ابن العربي في الفتوحات ج ١، ص ٣٠٧- ٣٠٤ مع توضيحات و إضافات.