شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٢٥٢ - جوده تعالى
يسقيه أنعاما، فيجعل الكلّ للإنسان غذاء بأيدي خدّام طبيعته و قوى مسخّرة. فإذا كان جوده بذاته لا بسبب موجب، و الافتقار من الأشياء على شرع سواء، فليس هو بإعطاء ما سئل أجود منه بإعطاء ما لم يسأل: بأن يعطي السّائل أكثر ممّا يعطي غير السّائل، إذ لو كان كذلك لاختلفت نسبته و لم يكن جوادا بذاته بل بسبب يدعوه الى الجود؛ و لكان [١] غير السّائل مستغنيا عنه و قد قلنا انّ العلّة المحوجة مشتركة في الكلّ في كلّ آن و زمان لا محالة.
و ما اختلف عليه دهر فيختلف منه الحال.
هذا دليل آخر على عدم التّفاوت في جوده تعالى متأخّر عن المدّعى، كما انّ قوله عليه السلام: «فأنهج» دليل سابق.
بيان ذلك: إنّ كلّ من يقع في الزّمان، فانّما يختلف حاله في الغناء و الثروة و الاحتياج و الفاقة و رغد العيش و ضيقه الى غير ذلك من الأحوال، و ذلك لتصادم الأسباب الفلكيّة و تناظر الأوضاع السّماويّة. و الشيء الّذي ليس في زمان لا يختلف عليه حال، إذ كلّ ما يمكن له فانّما هو ثابت له بالفعل و ليس له حالة منتظرة. فإذا كان جوادا فلا يختلف جوده لأنّ ذلك له بنفسه لا باعتبار شيء سواه فهو هو أزلا و أبدا. و اللّه سبحانه متعال عن الزّمان متقدّس عن الكون و المكان، فلا يختلف عليه حال يكون فيه جوادا ثم يكون في حال أخرى بخيلا أو أقلّ جودا.
و لو وهب ما تنفّست عنه معادن الجبال و ضحكت عنه أصداف البحار من فلزّ اللّجين و سبائك العقيان و نضائد المرجان لبعض عبيده لما اثّر ذلك في جوده و لا انفد سعة ما عنده.
[١] . و لكان: فكان م.