شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٤٦٢ - كلام في مكارم الأخلاق و المواعظ و إشارة الى الموت
السلام ذلك بإفادة مقدّمتين ينتج إحداهما بانضمام ما ينبغي أن ينضمّ إليها انّ الإنسان قوت الموت، و ذكر نتيجتها؛ و يستفاد من الأخرى انّ للإنسان آكلا هو الموت و لم يذكر تلك النتيجة لظهورها من الاستنتاج الأول. أمّا المقدمة الأولى، فهي انّ لكلّ ذي رمق قوت بناء على انّ المزاج الّذي يحصل به الحياة انّما يكون بوجود الحرارة الغريزية الّتي شأنها التحليل، فلا بدّ من أمر وارد يصير بدل ما يتحلّل و قد ثبت ذلك في مقرّه؛ و الثّانية، انّ «لكلّ حبّة آكلا» تحقيق ذلك: انّا اذا نظرنا الى العالم وجدناه يأكل بعضه بعضا و يصير بعضه غذاء بعض، فالعالم كلّه آكل و مأكول و لا يبقى بعد ذلك الّا من هو عند اللّه مقبول أ لم تر الى ما بين يديك من الأرض كيف يغتذي السّحاب منها و من الماء فيمطر غذاء للأرض فتحيي بإذن اللّه و يحمل بالنبات الّذي هو غذاء الحيوان، ثم يصير هو غذاء للإنسان فيصير هو غذاء للأرض و هكذا تصير المسألة هاهنا دوريّة و الى اللّه منتهى الأدوار و الكرور أَلا إِلَى اللَّهِ تَصِيرُ الْأُمُورُ [١] أو ما رأيت الى ما فوقك من السماء كيف يفيض قواها على الأرض و يصعد منها إليها الأعمال الصّالحة و الأرواح التي هي الكلمات الطيّبة؟ قال عزّ من قائل: خَلَقْنا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرائِقَ [٢] و قد تقرّر عند أهله أنّ الطرق الحقيقية تلتقم السّابلة [٣] حقيقة كما أنّ طرق المجاز يلتقمها مجازا [٤]؛ و أيضا، السّماء يأخذ ما على الأرض حيث ينقصها من أطرافها بل يتحرك بأنفاس بني آدم أصناف حركاتها و هذا كلّها غذاء معنوي.
و لنفصّل ذلك و نقول من رأس: انّ الموادّ الجسمانيّة غذاؤها الصور و الأرواح و الأعراض و الأشباح، و النّفوس الإنسانيّة غذاؤها حقائق الموجودات و معرفة
[١] . الشورى: ٥٣.
[٢] . المؤمنون: ١٧.
[٣] . السابلة: السائلة د.
[٤] . مجازا: تجوّزا ن.