شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٣٦٧ - انه تعالى لا تحويه الأماكن
و نسبة «البراعة» و اللّمعان الى «الفطن» لكونه بمعنى الذكاء و توقّد الذهن. و نسبة «التّعمّق» و «النقب» الى «الفكر»، لكون الفكر هو التأمل في غور الشيء و باطنه، كما انّ نسبة الغوص و السّبح الّذي هو بمعنى السير على الفطرة التي هي سلامة القوة العقليّة المتحرّكة نحو المعقولات الحقّة كذلك؛ إذ القوة انّما يغوص و يخوض متحرّكة نحو كمالها الى غور الشيء و كماله و باطنه.
أمّا الغرض من العبارة الأولى، فهو انه لا يمكن للفطن البارعة الثاقبة أن يحدّه سبحانه و يجعل له حدّا و غاية، إذ لا حدّ له، لأنّ كلّ محدود مخلوق إذ المحدود لا بدّ له من حادّ غيره، بناء على امتناع وحدة الفاعل و القابل. فمن قال باشتراك المعبود مع المخلوق في أمر من الأمور و لم يؤمن بالمباينة التامة بينهما، فقد حدّه إذ جعله في مرتبة من هذه الطبيعة المشتركة، و المخلوق في حدّ آخر؛
و من العبارة الثانية، انّه لا يمكن للفكر المتعمّقة الناقبة في بطون الأشياء أن تكيّف [١] المبدأ الأول تعالى، إذ لا كيف له، لأنّ الكيفية جهة الإحاطة و اللّه محيط بالكل و لا يحيط به شيء، فالعقول بمعزل عن أن تدركه و تحيط به؛
و من العبارة الثالثة، انه لا يمكن للعقول السليمة الغائصة السابحة في حقائق الأشياء الى نحو كمالها، أن يصوّره سبحانه و يمثّله و يجعل له صورة و مثالا، إذ لا صورة له و لا كيفيّة له و لا له مثل و لا مثال، فهو جلّ مجده منزّه عن تصرّف العقول فيه بحال دون حال.
[انّه تعالى لا تحويه الأماكن]
لا تحويه الأماكن لعظمته.
«العظمة» الحقيقية [هي] أن لا يكون الموصوف بها محاطا بشيء أصلا و لا تحت حكم من الأحكام مطلقا، بل يكون محيطا بالكل لأنّه التّمام و فوق التّمام
[١] . تكيف: يكيف د.