شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٥٤٠ - المقام الرابع في النار و دركاتها
النّصّ القاطع، و ما بقى منها يعود الى النار، و على هذا فالكواكب كلّها في النّار مظلمة الأجرام منكسفة في غاية الظّلام، و ذلك لأنّ كسوفاتها ليست بسبب عارض كما في الدنيا من حيلولة الأرض في القمر، و القمر في الشمس، و غيرهما، بل الكسوف في الآخرة حقيقي ذاتي ما ينجلي أبدا فهو كسوف في ذوات هذه الكواكب لا بالنظر إلينا و بالنسبة لي أعيننا [١]. و سيظهر هذا الكسوف و ذلك الخسوف في آخر الزّمان و هو من أشراط الساعة فقد روي: أنّ الكسوف يقع في آخر الشهر و الخسوف في وسطه، و ذلك ممّا يشعر بأنّهما ليسا من طريق الحيلولة.
أمّا صاحب إخوان الصّفا و من تبعه من العلماء فقد ذهبوا: الى أنّ جهنّم هو عالم الكون و الفساد و الطبيعة التي تحت السماء الدنيا، و أنّ النار هي الطبيعة المحلّلة المستولية على الجلود بالإذابة و التحليل و التبديل في كلّ آن، لو لم يرد بدل ما يتحلّل منها شيء. فما دامت النفس متعلقة بهذا البدن العنصري بحيث كأنّها هي البدن، كانت متأثرة عن تلك الطبيعة في ذاتها و في قواها منفعلة عن نيرانها الكامنة في البدن المجفّفة للرطوبات الصالحة الحاصلة من الأغذية، و كذا صارت متألّمة بإنارة حرارة الشهوة و الغضب و بإحداث الحميّات و الآلام و الأوجاع و الأسقام التي منشأها تلك الطبيعة، و أكدّوا ذلك الحسبان بقوله: كُلَّما نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْناهُمْ جُلُوداً غَيْرَها [٢] إذ هذا التبديل الذي هو بعد التحليل انّما هو صفة النّار التي في هذا العالم، و قوله تعالى: كُلَّما خَبَتْ زِدْناهُمْ سَعِيراً [٣] و لا يكون الخبو الّا في هذه النار، و الزّيادة
[١] . الفتوحات ص ٢٩٩: «فانّ كسوفها ما ينجلي و هو كسوف في ذاتها لا في عيننا».
[٢] . النساء: ٥٦.
[٣] . الإسراء: ٩٧.