شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ١٣٥ - وجه ان أفعاله تعالى«تفهيم»
[وجه انّ أفعاله تعالى «تفهيم»]
و افعاله تفهيم
إذ الموجودات الّتي هي آثار اللّه و علامات ربوبيّته، يوصل كلّ منها إلى العلم بوجود صانعها و صفاته الحسنى و الدّار الأخرى؛ و لأنّ السعادة التّامة هي معرفة الوجود على ما هو عليه و هي إنّما تحصل بأن يعرف نظام الوجود المبتدئ من اللّه سبحانه على ترتيب الأسباب و المسبّبات و اتّصال كلّ واحد بصاحبه و اشتمال كلّ سابق على لاحقه؛ و لأنّ العالم عبارة عن أفعال اللّه تعالى و هي إنّما تدلّ على أسمائه الحسنى و صفاته العليا لأنّها آثار تلك الأسماء و الصّفات- كما عرفت مرارا- و كذا الأسماء يدلّ على مسمّى واحد أحديّ الذّات و المعنى.
و أيضا، لأنّ هذا العالم الحسيّ إنّما هو مثال و صنم للعالم الأعلى العقلي و الاستدلال على ما هناك لا يكون الّا بما هاهنا و لهذا ورد عن الرّضا عليه السّلام في مكالمة عمران الصّابي [١] في قوله وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمى وَ أَضَلُّ سَبِيلًا قال عليه السّلام: «يعني أعمى عن الحقائق الموجودة» [٢].
قيل: المحسوسات أساس كل عطيّة صورة و معنى أمّا الصّورة فظاهرة و أمّا المعنى فلأنّه لو لا أحسّت النّفس أوّلا بالمحسوسات لما اهتدت إلى أسماء الصفات و لا أحاطت بالعطايا المعنويّة من المعارف الحقيقيّة و من ذلك قال معلّم الحكمة: «من فقد حسّا فقد علما» [٣] و رأس ذلك كلّه معرفة النفس قال تعالى: سَنُرِيهِمْ آياتِنا فِي الْآفاقِ وَ فِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُ [٤] و عن المسيح عليه السلام: «من لم
[١] . الصّابي:- م د.
[٢] . التوحيد، باب ذكر مجلس الرضا، ص ٤٣٨.
[٣] . مرّ في ص ٩١.
[٤] . فصّلت: ٥٣.