شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٣٢١ - وجه انه تعالى لا يوصف الا بما وصف به نفسه
مِمَّا يَشْتَهُونَ [١]، قال: انّما هو العالم و ما يخرج منه من العلم. و كما انّ لطيف الأغذية يصير جزء للمغتدي يكمل به و يسمن من أجله، كذلك العلم يصير جزء للنفس تتقوّى به و يتكامل بسببه، الى أن يصير الى حدّ يقول لو كانت السّماوات و الأرض في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحسّ به؛ و هكذا تسمن النفس بالمعارف و تتقوّى بالعلوم و اللطائف و يزداد جوعه و عطشه الى أن يأخذ من اللّه غذاءها، فحينئذ تشبع شبعا لا جوع يصحبه [٢] و تروى ريّا لا ظمأ بعده. و نقل عن أرسطو أنّه قال في الرمز: «لم أزل أشرب فازداد عطشا الى أن شربت من اللّه فرويت» إذا عرفت ذلك: فكلّ مغتذي فانّما هو قابل لوصول الغذاء إليه فلا بد له من فاعل. و لا يمكن وحدتهما لامتناع كون شيء واحد فاعلا و قابلا، و ينتهي لا محالة سلسلة الفواعل الى اللّه سبحانه فاللّه هو الرازق و فاعل التغذية [٣]. و في دعاء الاستنجاء «الحمد للّه الحافظ المؤدّي» فالأوّل، إشارة الى انتهاء الغاذية إليه تعالى و الى اسمه الحافظ و المقيت [٤] و الرازق و الثاني، الى انتهاء الدافعة الى اسمه الدافع، و يعود الكلّ الى القابض الباسط؛ فهو سبحانه خلق العقل ثم أفاض عليه من أنواره و أذاقه حلاوة النظر الى جماله و روّاه من عين لقائه؛ ثم خلق النّفس و غذّاها بالصّور العقليّة الفائضة من العقل و أطعمها من مائدة كرامته تشرب من عين الحياة العقلية و من الأنهار الأربعة الشريفة؛ ثمّ خلق الماء الّذي هي المادّة الكلية و غذّاها بالصور الطبيعيّة و هكذا جرت سنة اللّه فَلَنْ تَجِدَ لِسُنَّتِ اللَّهِ تَبْدِيلًا [٥] فهو
[١] . الواقعة: ٢٠.
[٢] . شبعا لا جوع يصحبه:- م.
[٣] . و فاعل التغذية: الغاذي م.
[٤] . المقيت: المغيت د.
[٥] . فاطر: ٤٣.