شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٥٥٣ - المقام السادس في الميزان و كيفيته
المقام السّادس في الميزان و كيفيته
و لنمهّد في ذلك مقدمة شريفة، ذكرها بعض أهل المعرفة [١] لخّصناها و حقّقناها بالأدلة الإجمالية:
اعلم انّ العالم بالنظر الى موجده عزّ مجده منفعل محدث، و بالنسبة الى نفسه فاعل و منفعل. و من المستبين في محلّه أنّه لا بدّ بين الفاعل و مفعوله من نسبة لا يكون بين غيرهما ليصحّ وجوب استناد أحدهما الى الآخر، و أنّ العقل أوّل الصوادر عن اللّه عزّ و جل، و أنّ الحياة هي أقدم الصّفات الذاتية الحقيقية؛ فقد ظهر من هذا أنّ وجود العقل انّما هو من نسبة الحياة التي هي وصف الأقصى؛ و النفس انّما وجدت من نسبة العلم الذي يتبع الحياة؛ فالعقل شرط في وجود النفس كما الحياة بالنظر الى العلم كذلك، و هما الفاعلان: أحدهما، في الهيولى و الآخر، في الجسم الكلّي؛ فهذه الأربعة- الفاعلة و المنفعلة- أصول العوالم.
فللطبيعة أربع جهات بالنظر الى هذه الفواعل و المنفعلات: فهي بالنظر الى الحياة، لها الحرارة، لما يشاهد من أنّ الحياة في الأجسام الّتي يلينا انّما يتسبّب من الحرارة؛ و لها بالنظر الى العلم البرودة حيث يعبر عنه ب «الثلج» و ب «برد اليقين»؛ و بالنظر الى الهيولى لها الرطوبة كما يعبر عنه ب «الماء» الّذي هو أول المخلوقات؛ فبقى لها بالنظر الى نفسه البرودة لجمودها على الهيولي و لزومها لها و هي مظهر الإرادة، لأنّها في المخلوقات في مرتبتها من الأسماء الفواعل. فالكيفيات المنسوبة الى الحياة فعلا و انفعالا هي الحرارة و الرّطوبة، إذ الهيولي معلول العقل و هي معدن الرطوبة؛ و الكيفيات المنسوبة الى العلم فعلا و انفعالا هي البرودة و اليبوسة؛
[١] . و هو ابن العربي في الفتوحات، ج ١، الباب ٦٠، ص ٢٩٣- ٢٩٤.