شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ١ - مقدمة المصحح
الجزء الأول
مقدمة المصحّح
بسم اللّه الرحمن الرحيم الحمد لله و لا حول و لا قوّة الّا بالله العليّ العظيم الذي ليس كمثله شيء و هو السميع البصير.
و الصلاة و السلام على خير خلقه محمّد خاتم النبيين و أهل بيته الطاهرين.
المعارف التي تتعلّق بالله تعالى من إثبات وجوده و توحيده و أسمائه و صفاته و أفعاله من أهم المعارف و أشرفها التي يهتم بها الإنسان، فانّه تعالى مبدأ الكلّ و فيّاض الخير، و قد حارت فيها الأوهام و تاهت فيها العقول، فكم من سالك ضلّ في بيداها، و كم من طالب قعد عن مسعاها؛ فانّ قوما ممّن اعترفوا به تعالى قالوا بالتعطيل، كما انّ آخرين مالوا الى التشبيه، و ترى فرقة وقعت في الجبر و أخرى في التفويض، فضلا عمّن جحدوه تعالى أو اعتقدوا بآلهة كثيرة أو قالوا بجسميّته، و أمثال ذلك من الآراء السخيفة، تعالى الله عن ذلك علوّا كبيرا، و هذا مع أنّ للإنسان عقلا يهديه و حجّة باطنة تر شده و ليس هذا الّا لصعوبة الأمر فلا بدّ للإنسان من قائد يتبعه و عالم يتّبعه و إمام يهديه سبل السلام، و ليس هو الّا من شرب من مورد الوحي و اقتبس من مشكاة النبوّة، و هو النبي الكريم بما أتى بالوحي و بما نطقت نفسه الشريفة فانّه (ص) ما ينطق عن الهوى، و عترته أهل بيته بما بيّنوا و فسّروا من كلام الله و كلام نبيّه، فانّهم خزنة أسرار علمه تعالى و معدن وحيه، و بهم عرف الله و بهم عبد الله، و هم الثقل الأصغر الذي لا يفترق عن الثقل الأكبر و هو كتاب الله الحكيم حتى يردا الحوض على النبيّ الكريم؛ و هم أهل الذكر الذين أمرنا الله بالسؤال عنهم بقوله: فَسْئَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ و هم صلوات الله عليهم بلّغوا رسالات الله و أدّوا أماناته و إن كانوا هم أنفسهم «الأمانة» التي عرضها الله تعالى. و ما وصل إلينا منهم في هذا المجال باب واسع و فصل متّسع سعى بجمعه و تنسيقه و شرحه كثير من العلماء الذين آنسوا بجذوة من نار شجرة علم النبيّ و عترته، و اختلفوا الى عتبة مدينة العلم و بابها، و استضاءوا بمشاعل الهداية و اهتدوا بأعلام التوحيد، منهم: الشيخ الصدوق (المتوفى ٣٨١ ه) بجمعه أحاديث الباب في كتاب شريف سمّاه التوحيد، و السند الحجّة الكليني (المتوفى ٣٢٩ ه) بتدوينه كتاب التوحيد من جامعه الكافي، و غيرهم من المحدّثين و المفسّرين و اللغويين و الحكماء و العرفاء و المتكلمين. و كلّ بذل جهده في مجاله و اختصاصه جيلا بعد جيل و قرنا بعد قرن حتى اتّصلت مجاهداتهم العلميّة بعصر الصفويّة. و هذا العصر (٩٠٧- ١١٤٨ ه) يمتاز في إيران الإسلاميّة بازدهار إقبال العلماء على تراث الأئمة المعصومين عليهم السلام في شتى الموضوعات، فقد قام الكثير من أعاظم العلماء بجمع الأحاديث و شرحها، منهم:
السيد محمد باقر الداماد (المتوفى ١٠٤٠ ه) بتعليقه على الصحيفة السجادية و غيره، و صدر المتألّهين الشيرازي (المتوفى ١٠٥٠ ه) بشرحه على أصول الكافي و غيره، و المولى محمّد محسن الفيض الكاشاني (١٠٠٦- ١٠٩١ ه) بتأليف الوافي و غيره، و المولى محمد باقر المجلسي (١٠٣٨- ١١١١ ه) بتأليفه بحار الأنوار و غيره، و الشيخ محمّد حسن الحرّ العاملي (المتوفى ١١٠٤ ه) بتأليفه وسائل الشيعة و غيره، و مئات آخرون لا يسعنا ذكر أسمائهم و أسماء آثارهم. و ممّن اهتمّ بشرح الأحاديث- خاصّة المشكلة منها- هو القاضي سعيد القمي بتأليفه كتب و رسائل أهمها شرحه على كتاب التوحيد للصدوق. و نحن نقوم بتعريفه في هذه المقدّمة مجملا الى أن يوفّقنا الله تعالى بالتفصيل في مجال آخر.
توحيد الصدوق و شروحه: «التوحيد» [١] كتاب ألّفه المعالي الحجة الشيخ الصدوق، محمّد بن علي بن الحسين بن بابويه القمي (المتوفى ٣٨١ ه) جمع فيه أحاديث التوحيد و ما يتعلّق به من صفات الله و أسمائه و أفعاله في سبعة و ستّين بابا و هو مشهور بالتوحيد و توحيد الصدوق و توحيد ابن بابويه. و اشتهاره و اعتماد العلماء عليه يغنينا عن مزيد الكلام فيه. و للتوحيد شروح، منها:
١- شرح التوحيد للقاضي سعيد القمي و هو هذا الكتاب و سنتكلّم عنه.
٢- شرح للجزائري، السيّد نعمة اللّه بن عبد الله التستري (المتوفى ١١١٢ ه) سمّاه أنيس الوحيد في شرح التوحيد ألّفه سنة ١٠٩٩ ه. و منه نسخة نفيسة بالمكتبة العامة باصفهان رقم ٢٧٨ [٢]، استنسخ سنة ١١٠٢ ه و قرئ على المصنّف من اوّله الى آخره سنة ١١٠٤ ه، و نسخة مستنسخة من الأولى بمكتبة
[١] طبع غير مرّة و مستندنا طبع مؤسّسة النشر الإسلامي التابعة لجماعة المدرّسين بقم المشرفة باهتمام علي اكبر الغفاري، ١٣٩٨ ه.
[٢] فهرس المكتبة العامّة باصفهان، ج ١، ص ١٨٣.