شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٤٦١ - كلام في مكارم الأخلاق و المواعظ و إشارة الى الموت
و أبعاضها حمّالة تحتطب ما لديها و انّ اللطيفة الإلهية- الّتي هي الأمانة عند العبد- خلاف هذه الأمور و هي الّتي ينبغي استكمالها و استعدادها للخلود في دار السّرور. ثم ذكر ثانيا: عمدة الأمور العرفيّة و هي الغنى و الفاقة، و أوضح أنّها لا يصلح للاستخلاص من الموت، بل كلّها في معرض الزّوال و الفوت.
أمّا قوله عليه السلام: «من مشى على وجه الأرض»- الى آخره، فلبيان حال الأرض التي يعبّر بها عن عالم الأجسام التي هي أمكنة الجسمانيّات حيث يمشي كلّ جسمانيّ على وجهها فهي أرض بالنسبة الى العالم العلويّ المحيط بها بالإحاطة العقليّة كإحاطة السماء بالأرض السّفلية، كما نقل عن الشيخ اليوناني انّه قال: «الفلك موضوع في وسط النّفس»- انتهى.
و المراد ب «الصيرورة الى بطنها»، هي أخذها كلّ ما أفادته للكيانيّات من الأبدان الجسمانية و الأجساد الطبيعية، لأنّ كلّ مركّب ينحلّ الى بسائطه و يرجع إليها و يميل كلّ جزء الى كليّته، و يجذب هي إيّاه بجملته، فالأرض- أي أرض الأجسام- يأكل ما عليها و يأخذ الأبدان التي كستها فترى قاعاً صَفْصَفاً لا تَرى فِيها عِوَجاً وَ لا أَمْتاً [١].
و أمّا قوله: «و اللّيل و النّهار»- الى آخره فلبيان أمر الزّمان. و لا ريب أن العمر الّذي هو مدّة بقاء الكائنات الزّمانيّة انّما يعدّ و يفنى بتقضّي الزّمان و تجدّد أكواره العددية، فهو أسرع شيء في هدم البنيان الجسماني بانقضاء أجله و أقوى سبب لانحلال التركيب الزّماني بتخطي أيّام عمره، فالزّمان يلتقم كلّ ما يسلك في سبيله و يأكل جميع ما ينسلك في خيط مديده.
و أمّا قوله: «و لكلّ ذي رمق» الى قوله: «و انتم قوت الموت» فلبيان عدم الاعتناء بالحياة الحسيّة و انّها مما يفسد بانحلال التركيبات المزاجيّة. و أوضح عليه
[١] . طه: ١٠٦- ١٠٧