شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٥٠٦ - الحديث الرابع و الثلاثون
لا يدرك بالحواسّ، و لا يقاس بالنّاس، فهو قريب غير ملتصق، و بعيد غير متقصّ، يوحّد و لا يبعّض.
هذا بيان لوصفه سبحانه بما وصف به نفسه و لذا لم يعطف. أمّا انّه تعالى لا يدرك بالحواس فهو مأخوذ من قوله عزّ شأنه: لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [١] و ذلك لأنّ المعنيّ بها أبصار القلوب كما في الأخبار [٢]، و ظاهر أنّ الحواس جواسيس القلب و عيون سلطان اللبّ، فكل شيء أدركته الحواس فانما توصله الى الملك من دون التباس، فالذي لا يدركه بصائر القلوب لا يمكن أن يدركه هذه الشعوب؛ و أما انّه لا يقاس بالناس فهو مأخوذ من قوله جلّ برهانه: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ [٣] و هو ظاهر؛ و أما انّه قريب فمذكور صريحا في قوله تعالى: قَرِيبٌ مُجِيبٌ [٤] و كونه «غير ملتصق» تفسير ل «لقريب»؛ و أمّا انّه بعيد- و معناه بعيد عن الشبه أو عن أن تصل إليه المدارك- ففي ضمن الآيات المذكورة. و في القاموس. تقصّى: بلغ الغاية، و في النهاية: تقصيتها أي صرت في أقصاها و هو غايتها، و القصو: البعد، و الأقصى: الأبعد. و قوله: «يوحّد» بصيغة التفعيل المجهول، «و لا يبعّض» عطف تفسيري له اي هو واحد حقيقة الوحدانية و أشدّها بمعنى انه ليس له جزء و لا يصير جزء الشيء من عدد و غيره. و التعبير بالفعل المضارع للإشارة الى أن اللائق بالعباد أن يقرّوا بوحدانيته الصرفة من غير تعمّل فيه تعالى، بل إن كان فبالتعمّل في نفس الموحّد على اسم الفاعل لا الموحّد على المفعول و نعما ما قيل:
ما وحّد الواحد من واحد
إذ كلّ من وحّده جاحد