شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٤٩٥ - الحديث الثالث و الثلاثون
المعروف بغير كيفيّة، لا يدرك بالحواسّ، و لا يقاس بالنّاس، و لا تدركه الأبصار، و لا تحيط به الأفكار، و لا تقدّره العقول، و لا تقع عليه الأوهام.
لمّا ظهر من الفوائد السابقة انّ السبيل الى معرفة الله منسدّة من هذه الطرق: و هي طريق الحدس و التشبيه و ضرب الأمثال و المقايسة الى شيء و الشريك في مفهوم، الى غير ذلك من طرق معرفة الأشياء، هدانا الإمام عليه السلام طريق المعرفة بقوله: «المعروف»- الى آخر كلامه. و قوله: «لا يدرك» استيناف بيان لقوله: «بغير كيفية» و الغرض: انّ معرفته سبحانه بهذه السلوب:
و هي انه سبحانه لا كيفية له بمعنى انه لا يدرك بالحواس الظاهرة و الباطنة، و لا يقاس بالناس في شيء من الأشياء و لا يشاركهم في معنى من المعاني، و لا يدركه أبصار القلوب، و لا تحيط به أفكار العقول، و لا تفرضه الأذهان بأن يفرض له قدرا يتعقل ذلك القدر أو شبحا يتمثل عند الفكر، و لا يقع عليه طائر الوهم بأن يدركه و يصل إليه إذ «كل ما ميّزه الوهم فهو مخلوق» [١] كما في الأخبار.
فكل ما قدّره عقل أو عرف له مثل فهو محدود، و كيف يوصف بالأشباح و ينعت بالألسن الفصاح من لم يحلل في الأشياء فيقال: هو فيها كائن و لم ينأ عنها فيقال: هو عنها بائن، و لم يخل منها فيقال له:
«أين؟» و لم يقرب منها بالالتزاق، و لم يبعد عنها بالافتراق، بل هو في الأشياء بلا كيفيّة. و هو أقرب من حبل الوريد، و أبعد من الشّبهة [٢] من
[١] . علم اليقين، ج ١، ص ٧٤ و مر أيضا في ص ٢٤٣.
[٢] . الشّبهة: الشّبه (التوحيد، ص ٧٩).