سند الأصول، بحوث في أصول القانون و مباني الأدلة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٤٥٨ - الدليل الرابع دليل الإنسداد
وإنما تنتج الإنسداد فحجّية الظن المطلق.
وقد سبق منّا عرض مجموعة من هذه الشبهات في بحث الظهور، التي حاولت [عن قصد أو لا عن قصد] القضاءَ على الطرق المعهودة في عملية استنباط الحكم الشرعي، وقد أجبنا عنها، ولكن نضيف هنا أنّ تلك الطروحات لو تمت لا تنتج حجّية الإجتهاد الشخصي وتصويب كلّ الآراء؛ لأنّ النوبة تصل إلى الإنسداد المنتج لحجّية الظن المطلق، بعد الإلتفات إلى أنّ المراد به الظن النوعي لا الشخصي، ومن ثمّ يبقى الإستنباط منوطاً بالنوع وبالتراث الذي خلّفه السلف وبالطرق التي شيّدها الأعلام.
ولكن مع كلّ هذه الفائدة فأهمية بحث الإنسداد أوسع من ذلك بكثير. وبيانه يتمّ عبر نقاط:
[١] إنّ الشارع كما لم يستحدث لغة لسانية خاصة به في خطابه مع الآخرين، كذا لم يستحدث لغة قانونية خاصة به وإنما جرى على ما هو مرتكز قبل الإسلام، ومن ثمّ الخصوصيات والأقسام والأحكام الموجودة في قانون الإسلام موجودة بعينها في لغة القانون البشري.
ولا يعني ذلك أنّ الشارع أمضى كلّ القضايا القانونية، وإنما المفردات التصورية القانونية هي التي جرى عليها الشارع، وأما على المستوى التصديقي فقد يمضي وقد يردع، بل قد يغيّر بعض المفردات التصورية كما في الحقيقة الشرعية والصحيح والأعمّ.
[٢] إنّ ما جرى في كلمات الأعلام من التعبير بالسيرة العقلائية وديدن العقلاء وبنائهم وارتكازهم يقصد منه التقنين العقلائي الذي فشى وانتشر وشاع. فالسيرة صفة عرضية للتقنين، ومراد الأعلام من السيرة هو الموصوف الذي اتصف بهذا الوصف. ومن ثمّ لابدّ أن تلحظ السيرة كقانون لا كعادة مسترسلة غير منضبطة.
كما لابدّ حينئذ أن لا ينظر إلى بناءات العقلاء بشكل مجزّء ومبعثر وإنما لابدّ من دراستها ككلّ لمعرفة تناسبتها وتسلسلاتها الهرمية؛ لأنّ القانون عبارة عن منظومة متكاملة.