سند الأصول، بحوث في أصول القانون و مباني الأدلة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ١٤٩ - ملاحظة وجواب
الثاني: [وهو كثيراً مّا يواجهه المجتهد] الشك في وصول الحجّة إلينا وعدم وصوله، وهذا يستبطن الشك في وجوده وعدمه، إلّا أنّا لا نقطع بعدم وصوله النوعي إلينا على فرض وجوده.
وكيفية التعذير في النحو الأول من الشك تختلف عن الثاني [مع أنّ الأعلام يوحّدون ذلك انطلاقاً مما حققناه] فتجري البراءة في النحو الأول من الفعلية التامة [بمعنى أنّ قطعه بعدم وصوله النوعي إلينا قطع بعدم وجود القيد للفعلية التامة للحكم الواقعي، و هو مفاد البراءة، أو فقل: هو قطع بعدم وجود و فعلية الحكم الظاهري.]
وأما في النحو الثاني فلا تجري البراءة حتى بعد الفحص واليأس عن العثور والعلم الشخصي، وذلك لأنّ البراءة تقيّد الفعلية التامة بالبيان النوعي، والفرض أنه في شك من وصول البيان، وهو شبهة مصداقية للبراءة فلا تجري. [١]
بل حتّى مع تفسير الأعلام للبراءة [من أنها قيد التنجيز] يبقى النحو الثاني من الشبهة المصداقية، فلابدّ أن لا تجري البراءة، وإن كان تصريحهم خلاف ذلك، إلّا أنّ ارتكازهم يوافق ما ذكرناه، حيث نلمح في تعبيراتهم أنّ المجتهد معذور لعجزه وغفلته من دون أن يعلّلوه من جهة الجهل و «رفع ما لا يعلمون»، و إنما لاستنادهم على
[١] . إنّ هذا يعني أنّ البراءة لا تجري في صورة الشك، و إنما هي العلم الشخصي بعدم البيان النوعي، والعلم التعبدي في أيدينا والشك في وجوده سابقاً وعدمه لا أثر له، إذ حتى مع العلم بوجوده آنذاك والعلم بعدم وصوله إلينا هو البراءة، كما ذكرتم ذلك في تحرير النزاع في المسألة (الشك في الحجّية).
ويؤكّد ذلك عدم جريانه في النحو الثاني من الشك الوجداني، مع أنه شك في وجود القيد وعدمه في أيدينا. اللّهم إلّا أن يقال: إنّ المعلوم وجداناً عدمه هو وجود القيد (الحكم الظاهري، العلم التعبدي) ولكن هناك شك وجداني بالواقع، وبدليل البراءة يحصل علم تعبدي ورفع ظاهري لفعلية الواقع التامة، إلّا أنه يقال: إنّه على مبناكم أنّ البراءة تقييد لفعلية الحكم الواقعي التامة بالعلم وبدليل الأمارة وجعلها علماً يتوسع القيد للعلم التعبدي، فمع العلم بعدم القيد مضافاً إلى عدم العلم الوجداني بالحكم الواقعي نعلم بعدم الفعلية التامة للواقع وجداناً، فلا شك تعبداً ولا وجداناً بالواقع، فالبراءة ليست أصلًا عملياً أخذ فيه رفع الحيرة إذ لا حيرة.