سند الأصول، بحوث في أصول القانون و مباني الأدلة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٥٠٥ - تبيين استدلال صاحب الحاشية (قدس سره)
وإن شئت قل: إنّ المنجّز التعبدي اللاحق يحدّ من دائرة المنجّز السابق ويلخّصها به، ومن ثمّ ففي صورة الظن الحجّة [أصاب أو لم يصب] يبقى العلم الإجمالي السابق على حاله تكويناً ولكن منجّزيته تجمد [بمعنى أنه ينحلّ حكماً] أقصاه أنه في حالة عدم إصابة الظن الواقع نحتاج إلى معذّر عن الواقع لوجود المنجّز السابق، والمعذّر هو الظن فإنه يكون بمنزلة المفرغ عن المنجّز السابق ومخرجاً عن عهدته.
وبالإلتفات إلى ما تقدّم [من أنّ الحكم الأصولي يقع في سلسلة معاليل الحكم الفقهي ثبوتاً، لا في سلسلة علله وإن كان كذلك إثباتاً] تتضح المسألة أكثر؛ حيث إنّ خصيصة الحكم الأصولي في الشبهة الحكمية التفريغ عن الحكم الفقهي المنجّز بالعلم الإجمالي في صورة خطأه بل الظن مفرغ حتى في صورة الإصابة.
ببيان: أنّ الإنسان لما كان مسؤولًا عقلًا عن الشريعة المعلومة، كان مسؤولًا عقلًا عن إحراز الإمتثال والفراغ، وهو إما أن يتمّ بالعلم الوجداني به من خلال الإحتياط، وإما أن يتمّ بالعلم التعبدي في الشبهة الحكمية، حيث يقوم بتشخيص التكاليف كخطوة أولى في طريق الفراغ، فإن أصاب فيكون معذّراً عن الواقع.
وبالعرض هذا تبلور متانة أطروحة صاحب هداية المسترشدين (قدس سره) وخلل مناقشة صاحب الكفاية (قدس سره) عليه من أنّا لا نحتاج إلى مفرغ شرعي، وذلك لأنّ تعذير الحجّة ليس أكثر من كونها مفرغة، غايته أنّ مثل الآخوند فهم من صاحب الهداية (قدس سره) أنه يتحدّث عن التفريغ الموضوعي الجزئي ومن ثمّ أشكل عليه، مع أن حديث صاحب الحاشية (قدس سره) في التفريغ في الشبهة الحكمية، وهو يختلف عنه في الشبهة الموضوعية. [١]
[١] . [س] نحن إما أن نتنازل عن منجّزية الظن ونستبدلها بأنها مشخص تفصيلي تبعدي للتكاليف المنجّزة مسبقاً، وعلى فرض الخطأ فهو معذر. وبالتالي عندما يقال إنّ الظن منجّز، يعني أنه مفصّل للإجمال ومشخّص للمنجّز، والإنحلال الحكمي يحصل من زاوية تعذيره وتفصيله التعبدي.
وإما أن نقبل أنّ الظن منجز حقيقة، ولكن تنجيزه يختلف عن تنجيز العلم الإجمالي، فإنّ العلم الإجمالي بالتكاليف أو العلم بوجود رسول وشريعة مأخوذ في موضوع التكليف- قيد فعلية ووجود- والظن منجّز مفرغ، أو نقول إنّ للتنجيز مرحلتان إحداهما تقع في طريق التفريغ عن الحكم والآخر مرتبط بوجود الحكم ثبوتاً أو شيء من هذا القبيل.
[ج] لابدّ من الإلتفات إلى أنه مع وجود الإراءة هناك تنجيز، وفي الظن إراءة فهو منجّز، ومن ثمّ يشتد التنجيز في مورد إصابته خلافاً للأعلام الذين قالوا: إن المتنجّز لا يتنجّز. وفي صورة خطأه يكون مفرغاً ومعذراً عن تنجيز العلم الإجمالي. إلا أنه مفرغ على مستوى الشبهة الحكمية لا الموضوعية. ومن ثمّ اختلف مع مثل قاعدة الفراغ، فإنها تجري في العمل الخارجي الجزئي الذي تم الإتيان به امتثالًا، فتحرّز امتثاله تعبداً، بينما الظن يجري في الحكم المنجّز وقبل امتثاله فيعذر عن امتثاله.