سند الأصول، بحوث في أصول القانون و مباني الأدلة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٣١١ - النقطة الثالثة الفرق بين درجات الحكاية (الرواية والفتوى والحكم)
النقطة الثالثة: الفرق بين درجات الحكاية (الرواية والفتوى والحكم)
أشرنا سابقاً إلى أنّ التقنين يبدأ بكلّيات عالية وتتنزّل حتى يصل إلى الجزئيات. ونلفت هنا إلى أنّ الحكاية عن مدارج الإعتبار أيضاً ذات درجات؛ فهناك حكاية حسّية كالإخبار بالرواية، وهناك حكاية حدسية كالإخبار بالفتوى، وهناك حكاية حدسية أكثر كالحكاية بالحكم [حكم الحاكم والقاضي ...]
وحكاية الحس غالباً مّا تكون حكاية عن الكلّيات الشرعية الفوقانية، والتناسب واضح؛ لأنّ الحس أوثق في النقل من الوسائل الأخرى، والكلّيات أهمّ مما هو تحتها فهي تطلب الوثاقة أكثر.
والفتوى [التي هي حكاية وإخبار بواسطة الفهم] غالباً مّا تتعلّق بالكلّيات المتوسطة؛ حيث لم تنقل بالحس وإنما يتصيدها الفقيه من خلال المعادلات.
والحكم إخبار بواسطة الفهم أيضاً يتعلّق بالوقائع الجزئية بالتنزّل إليها من خلال تطبيق الكلّيات عليها، ومن ثمّ كان أبعد عن الحس من الفتوى.
وبهذه المقابلة بين أقسام الخبر والإعتبار يتحدّد موقع الخبر الحسي وفرقه الماهوي عن الخبرين الآخرين. ومن ثمّ عندما نَدخُل الأدلّة نكون على بيّنة فلا نخلط بينهما. فالأدلّة بعضها في دائرة حجّية الفتوى، وآخر في دائرة حجّية الحكم القضائي، وثالث في دائرة حجّية الخبر الحسي.
فماهية الإخبار الحسي [حتى لو كان بالمعنى] نقلُ ما سمعه من دون اعتماد على ملكة الإجتهاد، وإنما يقتصر على الحافظة أو على الفهم اللغوي عندما يكون النقل بالمعنى. ومن ثمّ يكون المنقول عادة قوالب شرعية؛ لأنها هي التي صدرت عن المعصوم [سواء قوالب لفظية أم ذهنية كما في النقل بالمعنى.]
بينما ماهية الفتوى هي إخبار المجتهد عن الحكم الكلّي الشرعي بواسطة ما فهمه من الأدلّة.