سند الأصول، بحوث في أصول القانون و مباني الأدلة - السند، الشيخ محمد - الصفحة ٢٧ - نقد الدليل الأول
٣. عرض أدلّة الإمضاء
الدليل الأول: درك العقل
إنّ العقل يدرك الكبريات العالية؛ مثل حسن العدل وقبح الظلم، والعقلاء باعتباراتهم يحاولون إرساء هذه المدركات العقلية بتطبيقها على الأفعال الجزئية التي ترجع إليها.
وبتعبير آخر: إنّ العقلاء ينزّلون الأحكام العقلية الأمّ إلى الجزئيات بواسطة اعتباراتهم، وبما أنّ مدركات العقل حجّة، كانت الإعتبارات المذكورة حجّة؛ لأنها تطبيقية ليس أكثر، فحجّيتها مستمدة من حجّية الكبريات.
نقد الدليل الأول
١. إنّنا لو سلّمنا جدلًا أنّ ظاهرة الإعتبار عند العقلاء كلها بسبب الدافع العقلي، ومن ثمّ فهي ظاهرة تطبيقية، إلّا أننا لابدّ أن لا ننسى أنّ عملية التنزيل والتطبيق وتصنيف الأفعال تحت العناوين العامة ليست في متناول العقلاء، ومن ثمّ كانت الحاجة إلى الشريعة الظاهرة المعصومة التي تتلافى عجز البشر وتخبطهم بسبب جهلهم ووقوعهم في الخطأ.
ومن ثمّ نحن لا نقبل هذا الدليل، وفي خصوص الإعتبارات التي تكون بدافع عقلي إلّا في الجملة، وهي التي تكون خارج مساحة التشريع الإلهي.
٢. مع الإلتفات إلى أنّ كثيراً من الإعتبارات العقلائية ليست بدافع عقلي وبما لهم عقل [كما ألفتنا إلى ذلك في تعريف الإعتبار العقلائي] وإنما بما هم بشر، والبشر فيه ما فيه من الإنفعالات والعادات والخلفيات. والدليل المذكور لا يشمل مثل هذه الإعتبارات، مع أنّ فيها ما هو الحجّة قطعاً كما سيتبيّن.