شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٤١٤ - تتمة القول في نعت النبي(ص)
انّما هي قلوب أنبياء اللّه، كما في حديث القدسي: «لا يسعني أرضي و لا سمائي بل يسعني قلب عبدي المؤمن» [١] لأنّ هذه السّعة انّما هي بسبب العشق التام و المحبة الكاملة، و الّا فيكون المؤمن كسائر الموجودات الغير القابلة للسعة. و انّما استدللنا بالسّعة على كون المؤمن أصلا في العشق، لأنّ السّعة عبارة عن تجلّيه سبحانه ذاتا و صفة و فعلا و تجليه ذلك انّما يكون في محلّ قابل، و المحلّ القابل هو الّذي يستدعيه أشدّ الاستدعاء، و ليس «العشق» إلّا فرط المحبّة و الاستدعاء؛ و لأنّ التجلّي بهذه المراتب الثلاث انّما يكون في شيء يحبّه اللّه و يرتضيه و حبّ اللّه للشيء انّما يتسبّب عن حبّ الشيء له، كما ورد في القدسيّات: «من أحببني أحببته و من تقرّب إليّ شبرا تقرّبت إليه باعا» [٢].
إذا تمهّد ذلك، بعد ما تقرر أنّ الإنسان هو الأول، بحسب الوجود في العوالم السّابقة، و المتأخّر في هذه النشأة، فنقول: انّ الإنسان هو الأصل في العشق و المحبة، و العشق يلزمه التأوّه و التنفّس لشدة التهاب حرارة التشوّق، فإذا ظهر منه هذا التأوّه انتشر في العالم، فيتحرك المتحركات بسببه.
و هاهنا سرّ آخر لدوران الفلك بسبب أنفاس بني آدم سيّما الأنبياء و الأولياء لأنّهم الأصل في ذلك و هو أنّ الشيخ اليوناني قال: «انّ النفس من لدن عالم العقل الى مركز الأرض فيكون الفلك موضوعا في وسط النّفس على هذا الأصل» و تفصيل ذلك على ما أقول: هو انّ النفس ذات جهتين: جهة الى عالم العقل لأنّه أصلها و منبعها، و جهة الى عالم الحس لأنّه أثرها و صنعتها، و كلّ عال فهو [٣] محيط بالسافل مشتمل عليه اشتمال العلّة [٤] على المعلول و لا ريب أنّ كلّ بسيط سواء كان
[١] . بحار، ج ٥٥، ص ٣٩.
[٢] . الفتوحات، ج ٢، ص ٨٤.
[٣] . فهو: و هو م هو د.
[٤] . العلّة: علة د.