شرح توحید صدوق - القمي، القاضي سعيد - الصفحة ٦٧٩ - فصل
ظلمة جهل بقطعك هذه كلّها عن معنى الإخلاص لوجه اللّه أي عن ان تكون بكليّتك بسبب صومك مخلصا له عزّ شأنه.
ثم ذكر عليه السلام شاهدا على ذلك من قول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله نقلا عن اللّه تعالى انه قال: «الصوم لي و أنا أجزي به» [١] و المعنى أن غير الصوم من العبادات انّما هي طلب فعل يشعر بالأنانية و الغيرية و ينبئ عن الرغبة و البغية، بخلاف الصّوم فانّه ترك للمطلوبات و قطع للنفس عن المشتهيات و كفّ عن كلّ ما يرغب إليه و يبتغى، و في ذلك إفناء للنفس عن مشتهاها بل عن أصلها و كليّتها بأن يفنى عن نفسها و عن بقائها بعد الفناء، فالصوم عبارة عن «الفناء في الفناء» فلا يبقى الّا اللّه، لا انّها يبقى ببقاء اللّه، فانّ ذلك يشعر عن الغيريّة و الأثنوة فيكون جزاؤه هو اللّه وحده، لا بقاؤه عزّ شأنه.
و قد قيل [٢] في معناه: انّ سائر العبادات انّما يتحقق بحركات قلّما يخلو عن شبهة الرّياء بخلاف الصّوم، فانّه ممّا حقيقته أن لا يطلع عليه الّا اللّه، فيكون اللّه سبحانه يتفرد بإعطاء جزائه من النظر الى وجهه الكريم، و الكرامة بلقاء اللّه الملك العظيم.
و أيضا، بالصّوم يتشبّه الإنسان بالملائكة المقرّبين و الأنوار القدّيسين و هم للّه، و وجودهم و هويّتهم هو كونهم للّه، فيصير العبد بهذا التشبّه للّه فالصوم للّه من هذه الجهة. و قد قلت في سوالف الزمان و وجدته في كرّاسة في معناه: انّ سائر العبادات انّما هي للوصول الى مرتبه الإنسان النّوري: كما الصلاة لمقامات توحيده و درجات معرفته، و الحج لتذكر عهوده و أخذ مواثيقه في عوالمه السّابقة
[١] . مرّ في ص ٦٧٢.
[٢] . القائل هو ابو حامد محمد الغزالي، في احياء علوم الدين ج ١، كتاب اسرار الصوم، ص ٢٣٨ و تبعه الفيض الكاشاني في محجّة البيضاء- ج ٢، ص ١٢٨.